Thursday, January 4, 2024

الشاعر والكاتب السعودي عبدالله الجفري حول الدكتور علي فاعور مقال: اول الكلام نقطة حوار في جريدة الحياة، المملكة العربية السعودية عام 1996.


الشاعر والكاتب السعودي عبدالله الجفري حول الدكتور علي فاعور  (مقال ثاني تابع): اول الكلام نقطة حوار في جريدة الحياة، المملكة العربية السعودية عام 1996.


أول الكلام : نقطة حوار

مقالة (ثانية) في جريدة الحياة - الثلاثاء ١٦ / نيسان / ١٩٩٦

للشاعر الكبير "الأخطل الصغير" للمرة الألف:

يبكي ويضحك ..... لا حزناً ولا فرحاً

كعاشق .... خط سطراً في الهوى ... ومحا !!

              يسعدني أن أواصل الحوار هنا - عن عالم، باحث نشيط في ميادين تخصصه العلمي، هو: د. علي الفاعور... الذي ركز الكثير من اهتمامه على دراسات المدن والهجرة السكانية، والتهجير في لبنان .... وله دراسة هامة في سلسلة: "مأساة شعب وأرض" كتبها عن بيروت - ١٩٧٥ ۱۹۹۰ - التحولات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية" ...




 وكان دافعه لكتابة هذا البحث ما تواجهه بيروت من تحديات " أدت إلى التحولات المتسارعة إلى تغيير معالم المدينة وطبيعتها التي أصبحت حالة متفردة عن غيرها من المدن، وذلك بعد ست عشرة سنة من النزاعات المتواصلة "!!

      وقد أمتعني الدكتور الفاعور بإهدائي نسخة من هذا الكتاب الصادر في عام ۱۹۹۱ طبعة أولى، الذي حمل في مقدمته دهشة الباحث التي صور بها ثبات هذه المدينة / بيروت وصبرها وقوة تحملها ..... وأنها بعد سنوات الحرب الأهلية والنزاعات " وتدميرها بقساوة وتهديم مساكنها على مراحل وتهجير سكانها عدة مرات، وتقسيمها بين شرقية وغربية، تفصل بينهما خطوط التماس والأسلاك الشائكة.. بعد كل ذلك: لا زالت تعطي وتنتج، وما زالت في نفوس أهلها واحدة موحدة" !

        لقد قسم المؤلف كتابه إلى أربعة فصول .... شكلها من :

·       النمو الحضري في لبنان، الأوضاع السكانية والسكنية في بيروت،

·       المسح الميداني للأوضاع الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية لسكان أحياء البؤس في بيروت،

·       مجال التحركات السكانية، التهجير والترحيل بين الأحياء والمناطق،

·       الوضع السكني: السكن والمساكن...

·       التركيب الديموغرافي، المستوى التعليمي، التركيب المهني والنشاط الاقتصادي،

·       اقتراحات وحلول مستقبلية....

 ولا بد أن عصب هذه الدراسة يرتكز في المقام الأول على اهتمام الباحث بحياة الفقراء (الذين يشكلون نسبة كبيرة من المقيمين في مدينة بيروت والضواحي المحيطة بها).

      والنقطة الأخرى الهامة كمحور لهذا الباحث: أن سنوات الحرب الأهلية تسببت في خلخلة البيئة الاجتماعية التي شارفت على الانهيار، بعد ست عشرة سنة من التنقل والتهجير بين الأحياء داخل العاصمة ومن القرى المدمرة إلى قلب المدينة، الذي تحول إلى  موئل للاجئين" !!

      وأثناء قراءتي لهذا البحث.... كنت أسترجع ملامح من شخصية (الإنسان) الدكتور علي فاعور، وقد ضمتنا سهرات "عمان" الجميلة في منزل صديقنا علي شبو"... وكانوا في تلك السهرات يهربون من حوارات النهار عن المدن وكيفية التعاون العربي والإقليمي واستراتيجيات التمويل .....

     فقد وجدت في الإنسان / علي الفاعور: روح المرح الممزوج بالسخرية المريرة من أوضاع الإنسان العربي في كثير من مدنه وواقع العصر الذي يقول: إن العلم وحده - لا يكفي بل دعم التنمية يحتاج إلى جهود متعاونة من شتى الأطراف حتى لا ينزلق الإنسان العربي إلى اضطرار الاحتياج !!

قلت ذات مساء للصديق "علي الفاعور": أنت عالم واقعي جداً إلى درجة الحلم الذي صار يفتقده كل عربي ويطرد وراءه .... كأن هذا "الحلم " ليس من حقوقه !!!

الشاعر الكبير والكاتب السعودي عبدالله الجفري (رحمه الله) في جريدة الحياة، المملكة العربية السعودية في  16 نيسان 1996.

  

Monday, January 1, 2024

الشاعر والكاتب السعودي عبدالله الجفري حول الدكتور علي فاعور مقال: اول الكلام نقطة حوار في جريدة الحياة، المملكة العربية السعودية عام 1996.

الشاعر والكاتب السعودي عبدالله الجفري حول الدكتور علي فاعور. مقال "اول الكلام  نقطة حوار" في جريدة الحياة، المملكة العربية السعودية

مقدمة وشكر

التقيت بالأديب السعودي ..الشاعر الكبير عبدالله الجفري (رحمه الله) عام  1996، في العاصمة عمان الاردن، وذلك أثناء مشاركتنا في مؤتمر حول "آفاق التنمية الحضرية وإمكانية التعاون في المنطقة العربية المشكلات والحلول"... تعارفنا بسرعة في منزل صديقنا المشترك الأستاذ علي شبو" الممثل الخاص للأمين العام لمؤتمر الموئل الثاني في الأقطار العربية"..

ونشأت بيننا صداقة عميقة، وهو الكاتب الشهير في جريدة الحياة، وفي موقع مخصص "أول الكلام، نقطة حوار"... حيث شرّفني بكتابة هذه المقالة في 15 نيسان عام 1996، وأنا أعيد نشرها اليوم كمحطة للذكرى بعد مضي 38 سنة، وأتذكر كلمات هذا الكاتب المبدع رحمه الله.. كما أوجه الشكر والتحية الأخوية الصادقة للأخ الأستاذ علي شبو، على تشجيعه الدائم  لي خلال المؤتمرات الدولية التي كان يرعاها في اطار مركز الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية".. علي فاعور

وفيما يلي المقال الأول في جريدة الحياة، في العامود المخصص للكاتب: "أول الكلام.. نقطة حوار".



أول الكلام :

نقطة حوار

الحياة - الاثنين ١٥ / نيسان / ١٩٩٦

  من كلمات "طاغور":

في العالم الرحب كل شيء هو الحياة ... كل شيء هو الحركة ....

 الدكتور علي الفاعور استاذ الجغرافية بالجامعة اللبنانية، وعضو المجلس الوطني للبحوث العلمية والخبير والمستشار لعدة هيئات دولية، والحاصل على دكتوراه دولية في العلوم الجغرافية من جامعة بروكسل .....

    هذا العالم المهاب، وهذا العالم الشاسع من المعرفة : كان دخوله إلى انتباهتي: مهاباً، اقترب منه بالتقسيط .... فأنا أنجذب إلى كل صاحب فكر ومعرفة، وإلى متميّز بالحوار الموضوعي والجديد في الطرح.

      في اليوم الأول لالتئام أعضاء مؤتمر "مستقبل المدن العربية" في عمان، عرّفني على هذا العالم، الخبير، المستشار: صديقنا المشترك الأستاذ علي شبو" الممثل الخاص للأمين العام لمؤتمر الموئل الثاني في الأقطار العربية ... وتم التعارف به قيصرياً ".

وفي الجلسة الأولى: جلست أصغي إلى ورقة العمل التي قدمها الدكتور علي الفاعور وقرأها عن "آفاق التنمية الحضرية وإمكانية التعاون في المنطقة العربية المشكلات والحلول"... حيث تحدث باسهاب  وتجارب ... أوضح فيها: تجارب بعض الدول في مجال تنمية وتطوير المناطق ذات النمو العشوائي ومنها تجربة المملكة العربية السعودية... حيث أشار إلى أن الدولة قد وضعت عدة مخططات للتنمية الحضرية مع توزيع أراض مجانية لذوي الدخل المحدود لبناء المساكن عليها، مع تقديم التسهيلات في الحصول على قروض من صندوق التنمية العقاري.

     وأشار إلى أنه في خلال السنوات السبع عشرة الماضية تم توزيع (۱،۲۰۰،۰۰۰) قطعة أرض عن طريق الأمانات والبلديات كما أسهم صندوق التنمية العقاري بتقديم القروض لبناء المساكن مما ساعد في تنمية المدن السعودية بإنشاء الضواحي للمدن الجديدة.

      وأوضح أن صندوق التنمية العقاري الذي أنشئ عام ١٩٧٤ في المملكة العربية السعودية .... قدم خلال العشرين سنة الماضية حوالي (٤٢٥) ألف قرض بقيمة إجمالية تبلغ (۲۸،۲) مليار دولار أميركي، حيث تم إنشاء (٥١٠) آلاف وحدة سكنية، وقد حددت فترة القرض  بـ(٢٥) سنة ومن دون فوائد ، على أن يعيد المقترض للدولة (۸۰) في المئة فقط من قيمة القرض ... كما قدم الصندوق أيضاً قروضاً استثمارية لإنشاء مجتمعات الفيلات بلغت (٢٤٨٥) قرضاً بقيمة (۱،۳) مليار دولار أميركي، أسهمت بإنشاء ( ٢٩،٥٠٠) وحدة سكنية على أن تعاد القروض خلال عشر سنوات من دون فائدة ... كما قامت وزارة الأشغال العامة والإسكان ببناء وحدات سكنية بلغ عددها (٢٥) ألف وحدة سكنية في مدن الدمام وجدة ومكة والمدينة المنورة وبريدة والقطيف والأحساء...

و لم ينته الحديث بعد عن د. علي الفاعور ولا معه فلنا همسات أجمل معه.

الشاعر والكاتب السعودي عبدالله الجفري جريدة الحياة، المملكة العربية السعودية في  15 نيسان 1996.

يتبع المقال الثاني....

=================


    


Thursday, December 28, 2023

"تمركز السكان والطوائف في لبنان وتأثيره في اللامركزية"، دراسة للدكتور علي فاعور، المركز اللبناني للدراسات، عام 1996.

 

تمركز السكان والطوائف في لبنان وتأثيره في اللامركزية

 دراسة للدكتور علي فاعور منشورة في كتاب عن المركز اللبناني للدراسات، "اللامركزية الادارية في لبنان،

الاشكالية والتطبيق"، ص. ص: 235-250. عام 1996.

 


تمهيد :

لا بد في البدء من توضيح المنهج الذي اعتمدته في كتابة هذه الدراسة، وذلك لسببين :

      الأول يعود إلى خصوصية البحث في مسألة حساسة تتناول : تمركز السكان والطوائف وتأثيرها في اللامركزية في لبنان، وخصوصاً أننا نكاد نخرج بسلام بعد المحنة - المأساة التي عشناها طوال ستة عشر عاماً، كما أن الحديث عن الطوائف بالأرقام يثير قضايا ديمغرافية وسياسية وإنمائية متنوّعة.

     والثاني لأن البحث في التوزيعات الديمغرافية، وبطريقة علمية، يتطلب توافر الأرقام، فكيف ذلك في ظل الحال عندنا، حيث لم يبق في العالم اليوم سوى ثلاث دول لم تقم بتعداد سكانها ، وهذه الدول هي كوريا الشمالية وعُمان ولبنان ؛ وبينما يفترض أن تكون كوريا الشمالية وعُمان قد أجرتا أخيراً تعداداً سكانياً، فإن لبنان سينفرد بين دول العالم ليصبح الدولة الوحيدة التي ليس لديها تعداد سكاني، حتى إننا لا نكاد نعرف أعداد المسجلين (والمهاجرين) أو المقيمين في المدن والقرى، ولا أعمارهم أو توزيعاتهم الاجتماعية والاقتصادية .

       وكل هذا لأننا نخشى معرفة التوزيع الطائفي ولا نريده؛ علماً أن التعداد السكاني يمكن أن يهمل الطائفة كما يحدث في الدول المتقدمة، حيث يمنع ذكر الطائفة في التعدادات .

        إن التعامل مع هذا الواقع يستوجب اعتماد التقديرات، أو القيام ببعض المسوحات العينية في أماكن محددة، وهذا ما ستحاول ترتيبه وإيضاحه وتقديمه في هذه الدراسة.

       واجه لبنان منذ إعلان الاستقلال أزمات مصيرية وتحديات كبيرة، كان أبرزها الحرب الأخيرة التي استوطنت طوال ستة عشر عاماً، والتي أدت إلى إنهيار مؤسسات الدولة أمام الدويلات والكانتونات الطائفية التي حاولت جاهدة إنهاء مشروع الدولة لتثبيت أقدامها دون أن تنجح بإلغائها نتيجة التوازنات الإقليمية والدولية التي سمحت بلعبة الميليشيات دون أن تسقط الخطوط الحمر التي شكلت ضوابط لا يمكن تجاوزها.

       وبعد نزاع مرير ومعاناة طويلة، وفي ظل التوازنات الدولية تم إحياء فكرة الدولة وعودة هكذا المؤسسات بعد نجاح إتفاقية الطائف ، في إرساء مباديء جديدة للوفاق الوطني وإعادة تنظيم الكيان اللبناني.

      ومنذ إعلان دولة لبنان الكبير، وبالرغم من صغر مساحة هذه الدولة ( ١٠٤52 كلم ٢ ) فهي لم تتمكن - ولم تنجح - في الربط بين المناطق الجغرافية، خصوصاً بين الأطراف والمركز مما أدى الى تفاوت شاسع في توزيع الموارد على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، ثم قيام التناقضات وتفجير الصراع مع بداية الحرب.

      والذين لا يحسنون قراءة الجغرافيا يصورون أن إندلاع الحرب سببه صراع الطوائف في لبنان (الناجم عن التنوع الطائفي )، وهي ذات المؤامرة التي حركتها الأيدي الأجنبية في السابق للحفاظ على مصالحها في لبنان.

     لقد تبين أن التنوع الطائفي هو ركيزة ازدهار لبنان وعلامة بارزة في تفرده وتفوقه. كما ثبت أن التفاوت الاجتماعي الاقتصادي، قد أدى الى بروز خطوط تماس إنمائية باعدت بين المناطق وهذا التفاوت تمثل بإهمال الأطراف وتهميش دورها، مما أدى الى اختلال بارز في التوازن تسبب بحركة نزوح سكانية وموجات هجرة كثيفة من المناطق المحرومة الى المناطق التي تمركزت فيها الخدمات، وهي التي أدت الى إفراغ الأرياف من سكانها.

 فالنزوح السكاني هو حركة احتجاج واسعة ضد التمييز القائم بين المناطق الجغرافية، حيث تمركزت الخدمات والمؤسسات الصناعية في بيروت ومناطق الجبل القريبة، بينما افتقرت الأرياف لهذه الخدمات وتزايد الحرمان في الأطراف البعيدة والقرى الصغيرة، مما أدى الى موجات بشرية متلاحقة انطلقت من الريف والقرى الصغيرة نحو المدن، فنشأت الضواحي وتكوّن حزام البؤس حول العاصمة.

١ - التوزيعات السكانية والتركيب الطائفي

       تتفاوت التقديرات المتعلقة بتوزيعات السكان والطوائف في لبنان، وذلك لارتباطها بأسس البنية السياسية والإدارية التي تعتمد الطائفية في توزيع المراكز والحصص. كما تختلف التوزيعات السكانية حسب مصادر الدراسة المعتمدة، ونظراً لعدم توفر المسوحات والبيانات الحديثة..  وهكذا يبرز التفاوت الكبير بين إحصاءات السكان المسجلين حسب وثائق النفوس، وتقديرات السكان المقيمين حسب المناطق وارتباطها بتوزيع الطوائف في لبنان.

      ويبلغ إجمالي عدد السكان المسجلين في لبنان ٥.٦ مليون نسمة تقريباً ، بينما يُقدر عدد السكان المقيمين بحوالي ٣.٥ مليون نسمة بحيث يرتفع متوسط الكثافة السكانية الى ٣٢٥نسمة / كلم ٢ . فما هي الخلاصة التي نستنتجها من قراءة التوزيعات السكانية...  وما هو مدى إرتباطها بالتركيب الطائفي في لبنان؟


       إن قراءة دقيقة للتوزيعات المكانية للطوائف تبرز أهمية التمييز بين إحصاءات السكان المسجلين، وواقع توزيع السكان المقيمين في لبنان، خصوصاً وأن المبادئء المعتمدة في تقسيم البلاد الى محافظات وأقضية ثم توزيع المراكز الادارية فيها على الطوائف، لازالت ترتكز الى سجلات المقيمين وفق التعداد السكاني الذي أجري عام ١٩٣٢، حيث يتم حساب عدد السكان وتنظيم وثائق القيد وتسجيل الولادات والوفيات في هذه السجلات رغم مرور أكثر من ٦٠ سنة على إنشائها.


          بل إن التوزيعات السكانية كما هي الآن على الأرض أو توزيعات السكان المقيمين ، تبدو مغايرة كلياً لمثيلتها على الورق في السجلات أو توزيعات السكان المسجلين، وهذا التفاوت يبرز من خلال التمركز السكاني في بيروت، فبينما تشير توزيعات السكان المسجلين الى وجود 13% من السكان في محافظة بيروت و ۲۷ في جبل لبنان، نجد أن توزيعات المقيمين تؤكد أن بيروت الكبرى وحدها تضم اليوم أكثر من نصف سكان لبنان.. ومن المتوقع أن يصل هذا العدد الى ٧٠% تقريباً في عام ۲۰۰۰. كذلك الحال بالنسبة للجنوب اللبناني والذي يضم اليوم فقط  16% من سكان لبنان المقيمين، بينما يضم ٢٣٪ من السكان المسجلين ( الجدول رقم (۱).

 التوزيعات الطائفية حسب المحافظات والأقضية:

         تختلف التوزيعات المكانية للطوائف على الأرض عن مثيلتها في سجلات المقيمين، وذلك نتيجة التحركات السكانية المتسارعة عبر موجات النزوح التي أدت الى نشوء المدن وتضخم عدد سكانها تضم المدن اليوم ۸۳٪ من سكان لبنان تقريباً )، بينما يتم إفراغ الأرياف والقرى الصغيرة.

         فالطوائف التي كانت متمركزة في الأرياف النائية ) وغالبية سكانها من الشيعة ) نزحت الى ضواحي المدن (خصوصاً بيروت وغالبية سكانها من المسلمين السنة ( ٤١ )، والمسيحيين الأرثوذكس (۱۳) فتكونت الضاحية الجنوبية كمدينة ثانية - للنازحين والمهاجرين - تجاور العاصمة وتكاد تضاهيها من حيث ثقلها الديموغرافي.، والذي يراقب النمو العمراني القائم وبوتيرة متصاعدة حاليا، يكاد يشهد ولادة ضاحية ثانية في أطراف الضاحية ، مما سيؤدي الى إنفجار سكاني لا يمكن السيطرة عليه.

       يضاف الى هذه التغيرات التحوّلات الناجمة عن الحرب وما رافقها من تهجير بين المناطق وهجرة أدت الى إنحسار المجال الجغرافي لبعض الطوائف ( تهجير المسيحيين من الجبل الى ضاحية بيروت الشرقية مثلاً ) ثم إعادة تمركزها وفق خريطة سكانية جديدة ترتسم فيها الخطوط الكبرى للتحركات السكانية خلال الحرب.






أما التوزيعات الكبرى للطوائف والتي يمكن إستخلاصها من إحصاءات السكان المسجلين ( ۱ )، حسب المحافظات والأقضية فهي تبرز ما يلي :

       

 - الشيعة : يتوزع الشيعة ( وحسب سجلات النفوس ) داخل لبنان في مناطق الأطراف البعيدة في الجنوب والبقاع، حيث يتمركز %٥٩٪ منهم في محافظتي الجنوب والنبطية، و ٢٥.٥٪ في البقاع، و ۸ في محافظة جبل لبنان، وه .٧٪ في محافظة بيروت. أما توزيعهم داخل الأقضية والمحافظات، وبالمقارنة مع بقية الطوائف فيلاحظ أنهم يمثلون ٦٧٪ من إجمالي المسجلين في الجنوب والنبطية، مقابل ٤١٪ في البقاع، أما في المدن الكبرى فهم يمثلون ١٤٪ في بيروت و ١٠٪ في صيدا...




       - السنة : يتمركز المسلمون السنة من حيث توزيعهم الجغرافي في المدن الثلاث الكبرى بيروت ٢٤، وطرابلس ١٩، وصيدا ٦، بالاضافة الى بعض الأقضية ، خصوصاً في عكار ١٤، البقاع الغربي وراشيا ، والشوف . أما توزيعهم حسب المحافظات : الشمال ٤٢.٥ ، بيروت ٢٤، جبل لبنان ٨.٥ البقاع ١٤، ثم الجنوب والنبطية ١٠.٥ أما توزيعهم بالنسبة لبقية الطوائف في المدن، فهم يمثلون ۸۲٪ من السكان المسجلين في مدينة صيدا، و ٨٤% في طرابلس، و ٤١ في مدينة بيروت ( المحافظة )..




       - الدروز : يتمركز %۷۷٪ من المسلمين الدروز في محافظة جبل لبنان ( عالية، الشوف بعيدا .. وقضاء حاصبيا ( ٧.٥ مع مرجعيون ( وراشيا ۱۲ ( مع البقاع الغربي ) .

( ۱ ) تقديرات أجراها المؤلف بناء على أرقام مأخوذة من لوائح قيد السكان المقيمين ، وفق سجلات النفوس، مع حساب المعدل الزيادة السكانية حسب الطوائف حتى عام ١٩٩٢.

       أما توزيعهم بالمقارنة مع بقية الطوائف فيلاحظ أنهم يمثلون ٤٦% تقريباً من السكان المسجلين في قضاء عالية، و ۲۹ في قضاء الشوف، و ١٦.٥٪ في قضاء بعبدا، و ١٨٪ في البقاع الغربي وراشيا، و %١٠.٥ في حاصبيا - مرجعيون ....


        - الموارنة : يتوزع المسيحيون الموارنة حسب سجلات النفوس بنسبة ٥١٪ في محافظة جبل لبنان، و ۲۸ في محافظة الشمال، و ٧ في محافظة البقاع، ٩.٥٪ في الجنوب... أما بالمقارنة مع بقية الطوائف فيلاحظ أنهم يتمركزون في أقضية كسروان ٩٢٪، جبيل ٧٦، المتن ٥٦ ، زغرتا ۸۹ بشري ۹۷ ، البترون ۷۳، جزین  73 في المائة....


       - الأرثوذكس : يتميز التوزيع النسبي لطائفة المسيحيين الأرثوذكس بتمركزهم في المدن الثلاث الكبرى، فهم يمثلون ۱۳٪ من سكان بيروت، و ١٠٪ من سكان طرابلس.

 

         أما توزيعهم الجغرافي فهو : ٤٠ في محافظة الشمال، و ۲۲٪ في جبل لبنان، و ١٩٪ في بيروت، و ١٢ في البقاع، و ٦ في محافظتي الجنوب والنبطية.. أما بالمقارنة مع بقية الطوائف فهم يمثلون ٥٩٪ من السكان المسجلين في قضاء الكورة، و٢٤٪ في عكار، وه.١٧ في البترون، و ١٥ في كل من قضائي عالية والمتن....

      - الكاثوليك : يتوزعون بنسبة %٣٦ في محافظة البقاع، (۲۰٪ في قضاء زحلة، و ٩ في قضائي بعلبك والهرمل ، و ٧ في البقاع الغربي وراشيا )، ثم ٢٥٪ في محافظة جبل لبنان ) الشوف % والمتن (۸)، ثم ١٢.٥% في بيروت.

      أما بالمقارنة مع بقية الطوائف، فهم يمثلون %٢٥ من السكان المسجلين في قضاء زحلة، و ١٧٪ في كل من قضائي صيدا وجزين، و ٩ في كل من قضائي الشوف والمتن . - الأرمن : يتوزع الأرمن بنسبة الثلثين تقريباً في بيروت ومحافظة جبل لبنان ( خصوصاً قضاء المتن، وهم يمثلون %۱۰٪ من المسجلين في قضاء زحلة، و ١٨٪ في بيروت، و ٦ في قضاء المتن...

           نستنتج من هذة التوزيعات أن الخريطة السكانية للطوائف ، لا زالت تؤكد - وبالرغم من التغيرات التي حصلت خلال الأحداث - تمركز الطوائف في بعض الأقضية والمحافظات، أما التحركات التي حصلت فهي بمثابة إمتداد لبعض الطوائف في الداخل، يقابله إنحسارعبر المجال الجغرافي لطوائف أخرى.

      لكن النتائج تشير كذلك الى بعض الأخطار الناجمة عن بروز الكانتونات الطائفية نتيجة الفرز السكاني الذي حصل في بعض المناطق، مما يستدعي إعادة المهجرين الى الأحياء والقرى التي تهجروا منها للحفاظ على صيغة العيش المشترك وصيانة الاختلاط بين الجماعات والطوائف....


 - تطبيق الامركزية الادارية :

إن اللامركزية الإدارية على ضوء هذه التوزيعات، والتي تتميز بعناوينها الكبرى، بتمركز الطوائف في بعض الأماكن، وبنتيجة ما أحدثته الحرب بالنسبة لإفراغ بعض المناطق المختلطة من سكانها، هذا الواقع يدفعنا للتدقيق والتمحص في تفسير الامركزية الإدارية، والتي نصت عليها إتفاقية الطائف بإيجاز شديد وتحت عنوان ( إصلاحات أخرى ، وذلك خشية التوسع في تغيير البنية خلال التطبيق فتتحول الى لامركزية سياسية، وتتعرقل عملية الانتقال الى الجمهورية الثانية.

       بوضوح أكثر إن محاولة تطبيق اللامركزية الادارية يمثل نقلة هامة وأساسية ، مما يستوجب بناء هيكلية جديدة على أساس وطني، خوفاً من هيمنة بعض الطوائف في مناطقها، إذ لا بد من توخي الحذر في عملية الإنتقال والتغيير، ذلك أن تكريس النهج الطائفي سيعيدنا حتماً الى أجواء النزاعات والمناطقية.

 

       إن نظام التقسيمات الادارية المعمول به حتى الآن سواءً بالنسبة لعدد المحافظات أو الأقضية بات بحاجة الى تعديل وذلك على ضوء التوجه المطلوب لبناء الدولة وتطبيق اللامركزية الادارية بحيث يتلاءم التوزيع الجديد مع حاجات السكان ويساعد في معالجة التفاوت الاجتماعي - الاقتصادي القائم بين المناطق في لبنان.

             بل إن حل المشكلات الناجمة عن التمركز السكاني في العاصمة يستوجب تحسين وتنظيم أوضاع الأرياف البعيدة والقرى الصغيرة مما يسهم في معالجة قضايا بعض الطوائف المتواجدة بغالبية في الأطراف، بحيث تلغى معادلة إرتباط التفاوت بتوزيعات الحصص بين الطوائف والمناطق الجغرافية، أو بين المدن والأرياف ، خصوصاً وأن التوزيعات السكانية الجديدة وما رافقها من تهجير وفرز طائفي خلال الحرب بات بحاجة الى محاولات لاعادة الاختلاط السكاني وتأمين الانصهار والتفاعل بين المناطق.

       إن تطبيق اللامركزية الادارية يمثل خطوة أساسية في إعادة التوازن والتخفيف من هيمنة العاصمة التي تمثل مركز القرار وعلى مختلف الأصعدة ، كما أن أية تقسيمات إدارية جديدة يجب أن ترتكز الى قاعدة جغرافية - لا طائفية - واضحة المعالم تأخذ بالاعتبار طبيعة لبنان وتركيبه الديموغرافي، ثم التوزيعات الجديدة للمقيمين في المدن والأرياف. كما أن بناء دولة حديثة يتطلب إعتماد قاعدة التنمية المتوازنة بين المناطق مما يحتم إعطاء الأولوية بعد الحرب في توفير الخدمات للمناطق الفقيرة، ثم إيجاد الحلول لمشكلات تقسيم الحصص بين الطوائف، وهي المسألة التي كان يتم إستغلالها دائما لإثارة الفتن في لبنان.

        نستخلص لتقديم خمسة إقتراحات لا بد منها لنجاح تطبيق اللامركزية الإدارية، وهي الآتية :

 

1.     أهمية وضرورة إجراء تعداد للسكان والمساكن في لبنان، لأن إعتماد قاعدة جغرافية - لا طائفية - في التقسيمان الإدارية الجديدة، يتطلب في الأساس تنظيم وتوزيع المساحات Organisation de l'espace)) على قاعدة التوزيعات السكانية الجديدة وذلك من خلال تنظيم عقلاني لا عشوائي .

 

2.     إعادة النظر في المنهج والقاعدة الإحصائية المعتمدة، والتي ترتكز إلى إحصاءات السكان المسجلين فقط، بحيث يسمح للسكان المقيمين المشاركة في إدارة شؤونهم وذلك خلال تشكيل اللجان في القرى والأحياء.

3.     إعادة النظر في التقسيمات الإدارية الحالية، ووضع تقسيمات جديدة سواء بالنسبة للمحافظات أو الأقضية، تأخذ بالاعتبار التوزيعات الجغرافية للأراضي من الناحية الطبيعية وعلاقة القرى والمدن ببعضها، ثم توزيعات السكان وذلك لتفادي تكريس الطائفية، أو هيمنة الطائفة في بعض المناطق .

4.     أهمية وضرورة إعادة المهجرين ( الذين يمثلون حوالي ربع السكان ) الى الأحياء والقرى التي تهجروا منها، وذلك للحفاظ على صيغة العيش المشترك وتأمين الإنصهار الوطني، أي أن تطبيق اللامركزية الإدارية على مستوى الأقضية وما دون – كما تنص وثيقة الطائف - يتطلب في الأساس تنفيذ خطة إعادة المهجرين.

5.     إن نجاح تطبيق اللامركزية الإدارية، يتطلب وضع خطة للتنمية المتوازنة في مختلف المناطق، وذلك لإلغاء خطوط التماس الإنمائية ، التي كانت موجودة قبل الحرب، والتي تحركت عبرها موجات النزوح الريفي ، أي أن إلغاء خطوط التماس التي نشأت بين المناطق خلال الحرب يجب أن يقترن أيضاً بإلغاء خطوط التماس الإنمائية التي أدت الى قيام الحرب، وإعطاء أولوية لإنماء المناطق الفقيرة، حتى لا يلجأ الناس الى الطوائف لتأمين قضاياهم وحل مشاكلهم .