Showing posts with label Population explosion in Lebanon. Show all posts
Showing posts with label Population explosion in Lebanon. Show all posts

Wednesday, August 19, 2026

لبنان تحت حصار الانهيار البيئي (2) من الهواء الملوّث إلى المرض... اللبنانيون يدفعون كلفة الانهيار

 

 

لبنان تحت حصار الانهيار البيئي (2)

من الهواء الملوّث إلى المرض... اللبنانيون يدفعون كلفة الانهيار

د. علي فاعور: عضو المجلس الوطني للبحوث العلمية

مقدمة

لم يعد تلوث الهواء في لبنان مجرد قضية بيئية، بل تحول إلى أحد أبرز التحديات الصحية والاقتصادية التي تواجه البلاد. ومع تفاقم أزمة الطاقة، وانتشار المولدات الخاصة، وازدياد كثافة السير، وحرق النفايات، ارتفعت مستويات الملوثات في المدن، وانعكس ذلك على صحة السكان وكلفة العلاج والإنتاجية وجودة الحياة. وتستند هذه المقالة إلى أحدث المؤشرات والخرائط والدراسات لتتبع العلاقة بين تلوث الهواء، والمرض، والخسائر الاقتصادية، وأولويات الحد من هذا الخطر المتصاعد.

1-  تلوّث هواء المدن... مخاطر تتهدد صحة اللبنانيين

1) مصادر متعددة... كثافة السير والمولدات وحرق النفايات

يتركز تلوث الهواء في المدن اللبنانية نتيجة تداخل عدة مصادر للانبعاثات، وبخاصة في المدن الكبرى، إضافة إلى بعض المنشآت الصناعية ومحطات الطاقة. وتُظهر الخرائط أن هذا التلوث لا يتوزع بالتساوي، بل يتركز في مناطق حضرية محددة تسجل مستويات أعلى من الملوثات، كما في بيروت وجونية ومنطقة الذوق.

وتشير بيانات الرصد المتاحة لعام 2017 إلى تجاوز تراكيز بعض الملوثات، ولا سيما الجسيمات الدقيقة، المستويات الإرشادية الصحية. لكن الشبكة الوطنية لمراقبة نوعية الهواء توقفت عن العمل خلال الأزمة بعد عام 2019، ما ترك البلاد أمام مفارقة خطرة: تزايد مصادر التلوث في مقابل تراجع القدرة الرسمية على قياسه ومتابعة تغيره.

2)  بيروت... خريطة تكشف بؤر التلوث داخل المدينة

تمتد مدينة بيروت بين مطمرين في الأوزاعي وبرج حمود، حيث تكشف خريطة التوزيع المكاني لتلوّث الهواء أن التلوث لا ينتشر بالتساوي، بل يرتفع في نطاقات ترتبط بكثافة السير والتجمعات العمرانية والأنشطة الاقتصادية. وتظهر أعلى المستويات في برج حمود والدورة وسن الفيل والأشرفية، مع بؤر مرتفعة أيضاً في الحمرا ورأس بيروت، بينما تنخفض القيم نسبياً في بعض النطاقات الأقل تعرضاً لممرات المرور الكثيف.



ويلاحظ في خريطة تلوّث هواء المدينة، وجود تفاوت واضح بين الأحياء. فسكان المناطق الواقعة قرب الطرق الرئيسية والتقاطعات ومحاور الدخول إلى العاصمة يتعرضون لمزيج من انبعاثات المركبات والمولدات والأنشطة التجارية. لذلك لا تعكس خريطة بيروت مشكلة هواء واحدة، بل خريطة متفاوتة للمخاطر الصحية داخل المدينة نفسها.

3)  جونية ومعمل الذوق... بين المدن الأكثر تلوّثاً بالهواء

تقدم جونية مثالاً مختلفاً، حيث تتداخل حركة السير الكثيفة على المحور الساحلي مع التوسع العمراني والانبعاثات الصادرة عن معمل الذوق الحراري، والمولدات والمنشآت المحيطة. وتقع محطة الطاقة قرب تجمعات سكنية واسعة وعلى شريط ساحلي ضيق تحيط به المرتفعات، ما قد يحد في بعض الظروف الجوية من تشتت الملوثات ويساعد على بقائها فوق المجال الحضري.

وتكشف حالة جونية أن المشكلة لا ترتبط فقط بحجم الانبعاثات، بل أيضاً بموقع مصدرها بالنسبة إلى السكان وطبيعة التضاريس وحركة الرياح. حيث تجتمع محطة طاقة ومحور مروري شديد الازدحام وكثافة عمرانية مرتفعة في مجال واحد، وتتحوّل المدينة الى أعلى نقطة تلوّث في لبنان، بحسب تصنيف غرينبيس، وهي في قائمة بؤر التلوّث وتضم 50 مدينة في العالم.

2- من الهواء الملوّث إلى الأمراض... المخاطر الصحية تتفاقم

 لا يقتصر أثر تلوث الهواء على تدهور البيئة الحضرية، بل يمتد مباشرة إلى صحة الإنسان. فالتعرض المستمر للملوثات يرفع مخاطر الأمراض المزمنة والوفاة المبكرة، ويخفض عدد سنوات الحياة الصحية، ما يجعل تلوث الهواء أحد أبرز تحديات الصحة العامة في لبنان.

1) أمراض القلب والرئة... العبء الصحي يتسع

تكمن خطورة بعض اشكال تلوّث الهواء، في قدرتها على الوصول إلى أعماق الرئتين والانتقال إلى مجرى الدم، بما يجعل التلوث الهوائي خطراً يتجاوز الجهاز التنفسي ليصيب القلب والأوعية الدموية وأعضاء أخرى. وتكتسب هذه العلاقة أهمية خاصة في المدن اللبنانية المكتظة، حيث يتكرر التعرض يومياً. وتعد أمراض القلب والسكتات أكبر مكونات الوفيات المنسوبة عالمياً إلى تلوث الهواء الخارجي، تليها أمراض الرئة المزمنة والتهابات الجهاز التنفسي.

2) 2815 وفاة مبكرة...  تقدير لحجم الخطر

تكشف التقارير الصحية  أن تلوث الهواء في لبنان يرتبط بنحو 2815  وفاة مبكرة سنوياً.  وفق تقديرات إحصائية لعبء المرض، وهذه التقديرات تُبنى على مستويات التعرض، وعدد السكان، ومعدلات الأمراض والوفيات.

كما توضح الأرقام  أن التلوث لم يعد عاملاً هامشياً، بل خطراً صحياً قابلاً للوقاية. وتقدّر كلفة تلوث الهواء بنحو 632,3 مليون دولار سنوياً، بما يشمل آثار الوفاة المبكرة والمرض والعلاج وفقدان الإنتاجية.

3) سنوات الحياة الصحية.. تراجع  نوعية حياة  الأسرة

لا تختصر الكلفة الصحية بعدد الوفيات وحده؛ إذ تشير بعض التقارير  إلى فقدان نحو 10.262 سنة من الحياة الصحية ، أو سنوات الحياة المصححة باحتساب العجز والمرض.  لأن التلوّث لا يقصّر العمر فحسب، بل يفرض أيضاً سنوات من التعايش مع الربو وأمراض القلب والرئة والعجز وتراجع القدرة على العمل.

وهكذا يصبح الهواء الملوث عبئاً مزدوجاً: يسلب بعض السكان سنوات من العمر، ويخفض لدى آخرين نوعية السنوات التي يعيشونها.

3-  كلفة التدهور البيئي... خسائر تقترب من ملياري دولار

لا تقتصر آثار التلوّث على ارتفاع معدلات المرض والوفاة المبكرة، بل تمتد إلى الاقتصاد ونوعية الحياة، حيث تتحول الأعباء الصحية والبيئية إلى خسائر متزايدة تتحملها الدولة والأسر معاً، بحيث أن كلفة هذا التدهور قد تجاوزت 1.96 مليار دولار عام 2023.

1) المياه والهواء... المصدران الأكبر للخسائر

يتصدر تلوث المياه القطاعات الأكثر كلفة بنحو 722.5  مليون دولار، أو ما يعادل 4%  من الناتج المحلي، يليه تلوث الهواء بنحو 632.3  مليون دولار، أي 3.5%  من الناتج. وتكشف هذه الأرقام أن القسم الأكبر من الخسائر يرتبط بعنصرين أساسيين للحياة اليومية: الماء الذي يستخدمه السكان والهواء الذي يتنفسونه. أما النفايات فتبلغ كلفتها نحو 273.3  مليون دولار، مقابل 249.2 مليوناً لتدهور الأراضي والغابات والكسارات، و84.6  مليوناً للأضرار الساحلية.

2) المواطن يدفع مرتين... ثمن الخدمة وثمن الضرر

لا تبقى هذه الخسائر محصورة في حسابات الاقتصاد الوطني؛ فهي تنتقل مباشرة إلى ميزانيات الأسر. فالمواطن يدفع لشراء مياه الشرب، وتأمين الكهرباء من المولدات، والحصول على الأدوية والفحوص والعلاج، ثم يتحمل خسارة أيام العمل والدراسة بسبب المرض. وهكذا يدفع ثمن غياب الخدمة العامة، ثم يدفع مجدداً لمعالجة النتائج الصحية والبيئية المترتبة عليها.

 

3) عدالة بيئية مفقودة... الضرر لا يتوزع بالتساوي

تفرض الأزمة عبئاً أكبر على سكان الأحياء المكتظة والقريبة من الطرق والمولدات والمصانع والمكبات، وعلى الأطفال وكبار السن والمرضى والعاملين في الهواء الطلق. كما أن الأسر محدودة الدخل أقل قدرة على الانتقال إلى مناطق أنظف أو شراء وسائل الحماية والعلاج المنتظم. لذلك لا يمثل التلوث أزمة بيئية فقط، بل يكشف أيضاً تفاوتاً اجتماعياً واضحاً: الفئات الأكثر تعرضاً للخطر هي غالباً الأقل قدرة على تجنبه أو تحمّل كلفته.

4- أولويات الإنقاذ.. من قياس التلوث إلى حماية الحياة...

لم يعد التحدي في لبنان يقتصر على تشخيص مصادر التلوث أو قياس كلفتها، بل أصبح مرتبطاً بقدرة الدولة على تحويل البيانات والتشريعات إلى سياسات قابلة للتنفيذ. فمعرفة حجم المشكلة لم تعد كافية، ما لم تُترجم إلى رصد مستمر، ومساءلة واضحة، وإجراءات تحد من مصادر التلوث قبل أن تتحول إلى أعباء صحية واقتصادية أكبر.

1) استعادة شبكة الرصد... من التقديرات إلى البيانات اليومية

تبدأ الأولوية بإعادة تشغيل المحطات القائمة وتوسيعها نحو بيروت الكبرى وجونية–الذوق، وطرابلس والمناطق الصناعية. ولا يكفي جمع البيانات؛ بل ينبغي نشر مؤشر يومي واضح يتيح للسكان والمدارس والمستشفيات معرفة مستويات الخطر، واتخاذ إجراءات وقائية. فالرصد المستمر ليس عملاً تقنياً معزولاً، بل أساس للرقابة والمساءلة وتحديد ما إذا كانت نوعية الهواء تتحسن أو تتدهور.

2) جردة وطنية للانبعاثات... كل مصدر يتحمل مسؤوليته

تحتاج الدولة إلى جردة محدثة تربط كل قطاع بحجم انبعاثاته: النقل، ومحطات الكهرباء، والمولدات، والصناعة، والكسارات، والحرق المكشوف. ويجب أن تتحول التقارير الفنية المطلوبة من المولدات الكبرى إلى نظام رقابي يشمل نوع الوقود، وارتفاع المداخن، والفلاتر، وساعات التشغيل والالتزام بالقيم، بدلاً من بقائها إجراءً إدارياً فقط.

3) ربط البيئة بالصحة... خريطة واحدة للمخاطر

الخطوة العلمية الأهم هي ربط خرائط التلوث بسجلات الاستشفاء والأمراض والوفيات على مستوى المناطق، مع حماية البيانات الشخصية. فهذا الربط يسمح بإجراء دراسات وبائية مكانية، وتحديد الفئات الأعلى تعرضاً.

4) معالجة المصدر قبل دفع كلفة المرض

تتمثل الأولويات التنفيذية في تطوير النقل العام، وضبط انبعاثات المركبات والمولدات والمنشآت الصناعية، ومنع الحرق المكشوف، وتوسيع المساحات الخضراء، وفرض المراقبة الدورية والعقوبات. ووفق منظمة الصحة العالمية، فإن البيانات المستمرة والموحدة ونشرها علناً تشكل شرطاً أساسياً لتقدير الأثر الصحي وقياس التقدم في خفض التلوث.

الخلاصة

تكشف مؤشرات تلوث الهواء أن كلفة الانهيار البيئي لا تُقاس بالأرقام وحدها، بل بما تتركه من آثار على صحة الإنسان ونوعية الحياة والإنتاجية. وبين الوقاية وكلفة العلاج، يبقى الاستثمار في الهواء النظيف أحد أكثر الخيارات جدوى لحماية المجتمع ومستقبل التنمية في لبنان.

Monday, November 27, 2023

أضواء على ديموغرافيا انتخابات العام 1992، د. علي فاعور: كيف توجه الديموغرافياالانتخابات وتتحكم بنتائجها

 أضواء على ديموغرافيا انتخابات العام 1992، د. علي فاعور: كيف توجه الديموغرافياالانتخابات وتتحكم بنتائجها

مقالة نُشرت في مجلّة العواصف بتاريخ يوم الجمعة 7 آب 1992 بعنوان "ديموغرافيا انتخابات 1992".. ونعيد نشرها اليوم بعد أكثر من 30 سنة، وذلك لتبيان هشاشة البنية السكان، والمصالح السياسية القائمة على المحاصصة الطائفية، مما أدى بمرور الزمن الى انهيار الدولة نتيجة فشل السلطة الحاكمة وانتشار الفساد.. واستمرار الفراغ السياسي القائم..ما ادى الى تفكك البنية الديموغرافية وتزايد موجات الهجرة الخارجية، والخلل الديموغرافي الناجم عن تزايد أعداد اللاجئين والنازحين الذين بات عددهم يقارب نصف السكان المقيمين في لبنان اليوم..






" بعد مرحلة الحرب اللبنانية (1975-1990)، بدأ التحضير لإجراء الانتخابات النيابية، وهذا يتطلب تحضير لوائح قيد السكان موزعة بحسب المناطق والتقسيمات الادارية..وهذا أيضاً يضع الجميع أمام إشكالية توزيع السكان سواء بالنسبة لقيد النفوس، وأصوات الناخبين، أو بالنسبة للمقيمين والمهاجرين في الخارج، او المهجرين في الداخل، وكان الاقتراح المتداول للبحث عام 1992، هو اعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة للخروج من معضلة التوزع السكاني، وبخصة توزيع الطوائف بحسب المناطق..."

وفيما يلي النص الاساسي للمقالة المنشورة في 7 آب/اغسطس 2019.

د. علي فاعور في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2023.


Friday, July 28, 2023

 

 دور الوسط الإنساني في إعمار بيروت

 تأليف الدكتور علي فاعور أستاذ جغرافية المدن في الجامعة اللبنانية

دراسة نشرت في جزيدة النهار كانون الثاني عام 1994، ومنشورة في كتاب "آفاق التحضّر العربي"، دار النهضة العربية صفحة 521-537، عام 2004.



مقـدمـة

بعد سنوات الحرب الطويلة يتجه لبنان اليوم نحو مرحلة جديدة تستوجب التخطيط لإعادة الإعمار ومحو آثار الحرب، وبعد استعادة الدولة للمرافق الحيوية والمؤسسات العامة، تتجه الأنظار الآن نحو تحسين مستوى المعيشة وتدعيم الوضع الاقتصادي ثم توفير الخدمات الاجتماعية للسكان.

وإذا كانت الحرب قد كبدت لبنان خسائر فادحة تمثلت بالدمار الذي أصاب البنية التحتية والمصانع والمدارس والمستشفيات والمساكن والأبنية الحكومية، تضاف إليها خسارة الموارد المالية والبشرية وهجرة الشباب إلى الخارج مما أدى  إلى  انخفاض الدخل  الفردي  وانتشار البطالة .

أمام هذا كله تبدو المعالجات ضرورية وهي تتطلب برنامج إعماري إنمائي لتحقيق النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل وتأمين الخدمات الاجتماعية، وهذا ما يتم التحضير له عبر خطة النهوض الاقتصادي أو برنامج العام 2000. وما يجب الاعتراف به أن المعالجات والخطط المرسومة ومهما كانت فعاليتها فهي لن تؤمن الحلول السحرية السريعة التي ينتظرها الناس وذلك بالمقارنة مع ارتفاع أكلاف المعيشة، وتراكم المشكلات الاجتماعية والاقتصادية وأبرزها تهجير حوالي 900 ألف ساكن ينتظرون العودة إلى بيوتهم.

لقد بدأت الأحداث في بيروت واستمرت متواصلة طيلة ستة عشر عاماً، أدت إلى تدمير وسط المدينة وتفتيت النواة المركزية فيها، ثم تقسيمها وتهجير سكانها. وهي تبدو اليوم مدينة "مجوّفة" تعيش في فراغ لأنها موزعة في مدينتين تتوسطهما مراكز إدارية وتجارية متعددة، تبدو كنوى ثانوية تتحرك حول نفسها لأنها تفتقر إلى " النواة النووية" المتواجدة في المركز.

ويستحيل اليوم أن تستعيد العاصمة دورها وموقعها وتؤدي وظائفها قبل إعادة الحياة إلى وسطها، لأنه بالفعل قلب المدينة، كما لا يمكن لهذا الوسط أن يستمر ملجأ ومأوى للمهجرين الفقراء الذين حولوا الأبنية إلى أكواخ حقيقية. وهذا يؤكد أن إعادة المهجرين مسألة مرتبطة بالخطة الموضوعة للإعمار والإنماء والتي يجب أن تنطلق من وسط العاصمة في برنامج متكامل يربط بين المدينة وإقليمها وريفها.

ويتضمن هذا البحث النقاط الآتية:

1 - إعمار بيروت أمام عنصر الإدارة والتاريخ

2 - لماذا إعمار الوسط التجاري؟

3 - الوسط الاجتماعي في المدينة.

- توفير الحياة في وسط المدينة.

- أهمية التوافق الاجتماعي.

4 - لا مدينة دون نواة قادرة على التوحيد.

5 - دور وسط المدينة التجارة والسياحة.

6 - ماذا نبني في الوسط ؟

 

1 - إعمار بيروت أمام عنصر الإرادة والتاريخ :

يقال الكثير اليوم عن بناء وسط المدينة التي دمرتها الحرب، ويتفاوت الكلام بين موقع وآخر، بل لكل واحد طريقته وأهدافه المرسومة في تناول هذا الموضوع، ولأننا نقف الآن أمام "ولادة المدينة" بأشكال جديدة وتطورها في مرحلة تاريخية حاسمة، ولأن وسط المدينة هو وجهها الحقيقي وهو مكان التقاء الجميع فقد بات لزاماً على الجميع التعامل بموضوعية وتجرد.

وبعيداً عن موضوع الربح والخسارة فإن إعمار المدينة هو الهدف الأساسي لعودة الحياة إليها. فقد استمرت بيروت مقسمة بين غربية وشرقية طيلة عقدين من الزمن، وهي لم تتخل عن دورها برغم هذا الواقع لكنها فقدت وظيفتها الأساسية في توحيد اللبنانيين فأفسحت المجال في تنظيم الضواحي على حساب الوسط الذي دمرته الأحداث.

فالمدينة هي في الأساس مخلوق حي وهي كما يقول الجغرافي الشهير بيار لافدان ككل مخلوق حي تولد وتكبر وتموت، إن دراسة مسألة النمو المديني والتطور وأحياناً الزوال أو الموت للمدينة يشكل الأساس اللازم في علوم المدن ذلك أن عوامل تطور المدينة كثيرة متنوعة ومعقدة وجميعها يمكن حصرها في قوتين كبيرتين : الطبيعة والإنسان.

وإذا كانت الطبيعة تحضّر الموقع كما يقول فيدال دي لابلاشن فالإنسان ينظمه ليتمكن من تحقيق رغباته وتأمين حاجاته ويجب أن نميّز في تكوين المدينة بين ثلاثة عناصر وهي: عنصر التكوين (أو الشكل) عنصر التطور وعنصر الزوال.

لقد دُمرت معظم المدن في التاريخ نتيجة حروب ضارية وعلى أيدي "السكان المتمدنين"، وكأن قوة خفية تمثل في "رغبة التدمير" تدفع المهاجرين لمحو الآثار الحضارية لأخصامهم، وذلك للتأكد من الانتصار عليهم وهزيمتهم، هذه الواقعة تمتد من مدينة جرش إلى بنوم بنه، ومن طروادة حتى هيروشيما، وذلك دون أن ننسى المدن التي دمرت في ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية.

مدن دمرت ثم عادت إلى الحياة لتتابع دورها مما يؤكد أن تطور المدن يعتمد أيضاً على التاريخ، وفي تاريخ المدن دور للإرادة الإنسانية وهذه حالة بيروت كمدينة ذاتية النشأة Spontanée ، واجهت قدرها عبر مراحل تاريخية حاسمة، وكانت أبداً مدينة مميزة وحالة فريدة في مواجهة النكبات التي عرفتها فمنذ حوالي 2000 سنة وبالتحديد عام 143 ق.م. أُحرقت بيروت وتم تهديم مبانيها وتحولت إلى خراب فخلت من سكانها الذين تهجروا عنها وسكنوا بمحاذاة البحر، كما أُصيبت المدينة بهزات أرضية عنيفة خصوصاً بين عامي 551 و 555 م. فتهدمت مبانيها وتحولت إلى خراب.

كما عرفت المدينة الكثير من الويلات أيام البيزنطيين والصليبيين، وعانى سكانها من وباء الطاعون عام 1797، كما صمدت المدينة بوجه الهجمات الحربية فتعرضت للدمار والخراب عشرات المرات، وفي حقب متفاوتة لكنها صمدت واستمرت تقاوم بل إنها بفعل الإرادة كانت تزداد قوة كلما ازدادت عليها النكبات.

وإذا كان موضوع الحتمية الجغرافية determinisme géographique قد أثير مراراً في دراسة مستقبل المدن وتاريخها، كما كثر الحديث في بعض المراحل عن مسألة القضاء والقدر Predestination . وإذا كان فهم الماضي واستنطاقه يتم بواسطة بعض الأمثلة والنماذج التاريخية المختارة، فإن حالة بيروت تؤكد عامل الإرادة في بقاء المدينة ودور الإنسان في نموها أو زوالها.

ومن ينظر في خريطة بيروت يرى أنها نشأت كمدينة بحرية وفي موضع طبيعي يبرز كنتوء جبلي Promontoire ، يمتد في البحر ويسمى رأس بيروت وهو عبارة عن رصيف بحري Plate forme مثلث الشكل تبلغ مساحته حوالي 60 كلم2 ويجاور هذا الموضع من الشمال خليج بحري واسع يحتل مرفأ بيروت قسمه الجنوبي المحاذي للساحل، وهو ميناء مثلث الشكل تصل أعمق نقطة فيه إلى حوالي 17 متراً ويحميه من الغرب حاجز ضخري عمقه نحو 1297 متراً، أما بالنسبة لمستوى السطح في المدينة فيظهر أن أكثر المناطق ارتفاعاً إلى حوالي 100 متراً وتقع في تلتي الأشرفية والرملة البيضاء وإلى حوالي 80 متراً في تلة رأس بيروت.

أما وسط المدينة فهو يمتد في شمالي هذا الموضع، كمنطقة متدرجة منفتحة على البحر وهي التي مثلت النواة الأولى في مركز المدينة ونموها حتى عام 1875م. هذا التحديد يبرز أهمية الموقع الجغرافي في ولادة بيروت لكن تتابع الأحداث يؤكد دور الإنسان عبر الأزمات التي واجهتها المدينة، وهي اليوم تتهيأ لولوج مرحلة جديدة حيث يتم التحضير والتخطيط لإعادة بناء الوسط المديني لتستعيد بيروت دورها وموقعها.

نستخلص أن مستقبل المدينة يتوقف على طريقة تعامل الإنسان مع المجال الجغرافي، فالطبيعة، حيث مكان نشوء المدينة، تبدو كآلة موسيقى، يتعامل معها الإنسان على طريقته وهواه، وهو قد يحصل أحياناً على موسيقى متناسقة بشدة harmonieuse، وأحياناً أخرى متنافرة discordance، وهذه حالة المدن أو وسط المدن المخلوقة villes crées حيث يعج بعضها بالحياة والحركة، بينما يبدو البعض الآخر كصحراء مملة، أو كسجن للنفس، يتحين الناس الفرصة للخروج منه في المناسبات.

إن السنوات المقبلة ستحدد مستقبل بيروت وهو يرسم اليوم في وسط المدينة من خلال المخطط التوجيهي للمنطقة التجارية المركزية، والذي يتم تحضيره للمرحلة القادمة.

 

2 لماذا إعمار الوسط التجاري؟

        في إطار التخطيط لإعادة الإعمار ومحو آثار الحرب، يحتل الوسط التجاري لمدينة بيروت اليوم مركز الصدارة بين المشروعات التي تتطلب الاهتمام والمتابعة. وإذا كان "التاريخ ما زال يكتب في قلب المدن" وهي حقيقة ثابتة في نشوء المدن وتطورها، فإن مرحلة جديدة تبدأ الآن في حياة مدينة بيروت التي دمرتها الحرب، مما يستوجب إعادة إعمار وسط المدينة لتعود الحياة إليها وتستعيد وظائفها الاقتصادية والاجتماعية كمركز للتعامل ومكان التقاء بين اللبنانيين.

        هكذا فإن دراسة منطقة الأعمال المركزية، المعروفة باسم الوسط التجاري، تعتبر مسألة أساسية في خطة الإعمار، وذلك للأسباب الآتية:

        1 يحتل الوسط التجاري من حيث موقعه قلب العاصمة، وهو يمثل بالنسبة لإطار المدينة "النواة النووية" ومركز الثقل الرئيسي فيها، ومن ثم فهو ذلك الجزء الذي تتمركز فيه مختلف الأنشطة والخدمات.

        2 يعتبر الوسط التجاري المنطقة التي تعرضت أكثر من غيرها لأعمال التهديم والدمار، وقد أدى تدميره إلى فقدان العاصمة دورها العالمي والكثير من وظائفها نتيجة تفتت المنطقة التجارية المركزية.

        3 يمثل وسط المدينة على الصعيد الاجتماعي مركز الالتقاء بين اللبنانيين الذين فرقتهم الحرب، وهو أيضاً مكان التبادل والتواصل بين الناس من مختلف المناطق، مما يؤكد أن إعمار الوسط التجاري هو الخطوة الأولى لإلغاء الانقطاع الحاصل نتيجة تعطيل المركز، وتأكيد لإعادة توحيد العاصمة بيروت.

        4 إن إعمار وسط العاصمة هو تمسك بالتاريخ الحضاري للمدينة، وذلك في الحفاظ على المعالم الأثرية فيها وإبرازها لتكون سجلاً يؤكد أن التاريخ ما زال يكتب في قلب المدن.

- إن إعمار الوسط التجاري يجب أن يترافق مع خطة واضحة الأبعاد لإعمار الأحياء المتضررة في بيروت الكبرى، بحيث أن التصميم والنظام التوجيهي العام للوسط، لا يمكن أن ينفصل عن النظام التوجيهي الشامل لمدينة بيروت الكبرى، وذلك للترابط في العلاقات بين الوسط ومحيطه. ويستدل من التصاميم الموضوعة لإعمار الوسط والدراسات المرفقة أن المخطط التوجيهي لهذه المنطقة ليس منفصلاً عن النظام التوجيهي الشامل الذي وضع في العام 1986، والذي رسم الخطوط الرئيسية لتخطيط بيروت الكبرى الممتدة من نهر الكلب حتى نهر الدامور، وحتى ارتفاع 400م شرقاً. وقد حدّد هذا التصميم، إضافة إلى الوسط التجاري أربعة مراكز جديدة للنشاط الاقتصادي، وهي: نهر الموت، الحازمية، الضاحية الجنوبية، وخلدة. تضاف إليها مراكز تجارية ثانوية موزعة في الأحياء المحيطة بالوسط التجاري.

5 إن إعمار وسط المدينة ومركز الأعمال الرئيسي فيها يجب أن يترافق مع خطة شاملة متكاملة، وبرنامج إعماري إنمائي متوازن، وذلك تحقيقاً لمبدأ الرغبة في المساواة المكانية، وهي بمثابة تعبير عن العدالة الاجتماعية بعد سنوات الحرب الطويلة في لبنان، ذلك أن الحساسية التي تولدت ونمت حول مسألة المساواة والعدالة، انتقلت من الاجتماعي إلى المكاني مع بروز حدة التفاوت بين الفئات الاجتماعية والغاية هي تحقيق التوازن الأفضل بين المناطق المكوّنة للأراضي وبين المدن والأرياف.

ومن الضروري الإشارة إلى وجود اتجاه يعارض "هيمنة المدينة"، وهو يعمل للتخفيف من امتيازاتها وذلك في محاولة لخلق تنظيم آخر للأراضي معارض للمكان المديني ولا يخضع أبداً لازدواجية المركز والأطراف، بل بالتنسيق والتعاون بين الأماكن المدينية والأقاليم. ويعزز هذا الاتجاه الاختلال البارز في التوزيعات المكانية للسكان حيث تتواصل موجات النزوح الريفي نحو العاصمة التي تضم وحدها اليوم، حوالي نصف سكان لبنان يعيشون في رقعة ضيقة من الأرض تقل مساحتها عن واحد في الماية من مساحة لبنان.

 

3 الوسط الاجتماعي في المدينة:

        تبحث هذه الدراسة في محاولة تحديد موقع الوسط الاجتماعي في المدينة من خلال رؤية شاملة تنظر في مختلف الاتجاهات، وترتكز إلى الوسائل التي توفرها مختلف الاختصاصات، من علم الاجتماع إلى الجغرافيا والتاريخ والآثار وعلم الاقتصاد وعلم النفس...

        وذلك بهدف التنسيق بين مختلف المجالات وإيجاد الترابط في العلاقات المكانية القائمة في الوسط، ذلك أن المدينة هي في الأساس مكوّنة من أفكار أكثر منها أحجار أو باطون، كما أن المشاهد البارزة في مورفولوجية المدينة هي حصيلة التقاء عدة عناصر متعددة الزوايا ومختلفة الأبعاد، مكوّنة ومؤثرة في المكان.

        - توفير الحياة في وسط المدينة: كذلك فإن بناء الأفكار والأحجار لا يمكن أن تصنع وحدها مدينة حيّة، إن غالبية المخططات تهمل المشاعر والأحاسيس عند الناس، فتبدو المدينة جامدة دون حياة، ذلك أن قساوة الزوايا القائمة في الأبراج العالية، والواجهات اللزجاجية الباردة، ثم الألوان الفقيرة في المخازن واللمجسمات والأبنية، تكاد لا تضاهي بهجة الشوارع الضيقة الملتوية في الأسواق القديمة المسقوفة، ولا تعوّض سحر الواجهات الخشبية الدافئة التي تلهم المخيلة وتجذب السواح في أزقة المدن العتيقة، حيث تمتليء المدينة بالحيوية وتعج بالحرجة. إن ما يهم زائر المدينة ليست الأشكال الهندسية ولا المشاهد المدينية المنظمة بل الإيحاءات التي تصدر عنها وتثيرها لديه، ثم الآثار الناجمة عنها والتي تبقى في ذاكرته.

        إن الإنسان يتعامل مع المدينة بحواسه وأحلامه، وهو في الأساس يعيش فيها كشاعر.. فالموضوعية المورفولوجية تهم الاختصاصيين وحدهم (علماء التاريخ والآثار...) لكن إضافة علامة مميّزة في الشارع أو الساحة، ربما تلفت انتباه الناس وتشعرهم بوجودهم، بل إن المشاهد المدينية الغنية بهذه العلامات الثقافية أو النفسية هي التي تزيد من ارتباط الإنسان بالمدينة، وتساعد في رسم مستقبلها.

        - أهمية التوافق الاجتماعي: إن الآلة المدينية الضخمة، وبرغم تزايد عدد سكانها واحتكارها الوسائل التكنولوجية المتطورة، تظهر في النهاية وكأنها معرضة للزوال وسريعة العطب، وعملها يتوقف على تنظيم دورة الحياة اليومية فيها، بل إن قوتها تتأمن من خلال توفير الطاقة وتأمين التموين والتوافق الاجتماعي.

        إن التوافق الاجتماعي يجب أن يتأمن في المدينة، وهو يمثل صمام الأمان لضمان استقرار الحياة المدينية، وهذا يستوجب توفير الحد الأدنى من الخدمات الاجتماعية وتأمين فرص العمل، ومحاربة الفقر، وهي الشروط التي تضمن مستقبل المدينة وتؤمن الحماية لها لتفادي الأزمات الاجتماعية، لقد أنهى ماكنماره تقريره للبنك الدولي عام 1975 بهذه العبارة "إذا لم تواجه المدن وبدون تأخير، وبطريقة بناءة مسألة الفقر، فإن هذه الأخيرة سوف تلغيها".

        إن المنحى الاجتماعي في دراسات المدن يدفعنا لاعتماد التخطيط الموضوعي في مسألة الإعمار، مما يستوجب العناية بالوسط الإنساني لتحصين الخطة، وتوفير كافة مقومات النجاح لبرنامج إعادة إعمار الوسط المديني في بيروت، ذلك أن التفاوت البارز في معظم المدن بين الترف والإنفاق والاستهلاك الزائد من جهة، والبؤس وإنتشار الفقر بين الأغلية من جهة أخرى، ظاهرة غير مقبولة وغير محتملة في حال توسعها، وهي تشكل دافعاً ومحرضاً على العصيان والثورة.

 

4 لا مدينة دون نواة قادرة على التوحيد:

        هكذا تبرز أهمية إعمار وسط المدينة، وإذا كانت الدراسة تستوجب البحث في مختلف الزوايا، فالأولوية تبقى للتركيز على أهمية المجال الاجتماعي المتمثل بوجود الإنسان في المدينة.

        أليست دراسة المدينة هي معرفة كيف يجتمع الناس في الوسط الإنساني، وكيف يتعاملون؟ وما هي حدود البيئة الاجتماعية والمحددات التي تفرض نفسها في تركيب الوسط المديني؟

        ذلك أن دور المدينة يتغير ظاهرياً مع تطور المجتمعات، لكنه يتمثل حتى الآن في تجمع وسطي يمتد بين الأفراد والجماعات المحلية من جهة والبيئة الخارجية من جهة أخرى، والمدينة الحالية ذات أبعاد مختلفة جداً بالنسبة للسكان والمساحة، إذ يمكن أن تتجمع حولها أحياء واسعة، فتتحول إلى تجمع مديني ضخم كما هي الحال في بيروت، ولكن مهما اتسعت مساحة الضواحي المحيطة فلا يمكن أن توحد مدينة سوى بوجود نواة قادرة على التوحيد والسيطرة، نواة منظمة لتؤدي دورها في التنسيق والجميع بين الأطراف.

        وهذا يقودنا إلى محاولة تعريف المدينة كمجال مشترك مفتوح أمام الجميع للالتقاء والتعايش، بل وأيضاً ميدان للصراع والتنافس الاقتصادي والاجتماعي، وهي تمثل نواة حية ومركز جذب في مواجهة المراكز والتجمعات المدينية والريفية.

        كذلك فإن المدينة طريقة معينة لاستخدام الأرض، بل إنها تبدو من حيث النشأة والتكوين كإسقاط في مكان محدّد للشروط الطبيعية والبشرية والمحددات التاريخية، وهي مركز تلاقي القوى الاقتصادية والسياسية حيث تتجلى وسائل التقدم التكنولوجي والعبقرية الخلاقة والمبدعة للمهندسين في ابتكاراتهم، تضاف إليها تجارب وعادات السكان في تعاملهم مع الوسط المديني.

 

5 دور وسط المدينة التجارة والسياحة:

        إن ما يهم الإنسان في وسط المدينة هو المجال الذي يؤمن له الراحة في التنقل والعمل والسكن والتسوّق، والالتقاء بالآخرين، وهذا يتطلب وجود توازن في تركيب المدينة وذلك من خلال الانسجام والترابط بين المساحات الحرة والمساحات المبنية، بل إن نجاح مخطط إعمار الوسط المديني يرتكز إلى طريقة استخدام الأرض، ثم تطوير العنصر المحرّك في البنية، بحيث يؤمن المخطط مساحات خضراء كافية لتوازن البيئة بالإضافة إلى مساحات حرة عامة وخاصة، تشمل الشوارع والساحات والحدائق للتنزه والراحة.

          وهكذا فإن وضع التصميم والنظام التوجيهي العام في وسط المدينة قد ارتكز إلى تحديد الوظائف ومراعاة توزيع الأنشطة المختلفة وذلك كما يأتي:

 

        - بالنسبة للوظيفة التجارية: أن يستعيد الوسط دوره في الحركة التجارية، خصوصاً وأن التجارة تعتبر من أهم الوظائف التي تجذب السكان والمؤسسات، وسوف يستوعب الوسط مؤسسات بيع الجملة والمخازن الفردية، والمؤسسات المالية كالبنوك ومحلات الصيرفة والتأمين.

        وبهدف إيجاد الترابط بين هذه الأنشطة فقد تم في وضع المخطط التوجيهي مراعاة التنوّع والتوزيع المكاني لمراكز الأعمال التجارية والمصرفية، والاستيراد والتصدير، وبموازاة المخازن التجارية الكبرى والحديثة، سوف يعاد بناء الأسواق القديمة، مع الحفاظ على بنيتها وشوارعها الضيقة، وطابعها العمراني المميّز، كأماكن للتسوّق والتسلية للزوار والسائحين. وقد ميّز التصميم في الأسواق بين مجموعتيْن:

- الأولى وتتألف من أسواق: الطويلة، أياس، الجميّل.. وهي تتوزع متجاورة، وسوف يتم إعادة إعمارها في مكانها وفق الأشكال التي كانت عليها، مع مراعاة المتطلبات العصرية للخدمات.

- الثانية وتتألف من أسواق: النورية، سرسق، الصاغة، أبو النصر.. وقد لحظ التصميم إدخال بعض التعديلات عليها لإضفاء الطابع الشعبي، وتشجيع عودة تجار الأسواق إلى الوسط.

        وهذا يؤكد على التوزيع الوظيفي الهرمي للأعمال التجارية، مع مراعاة طرق وعادات التسوّق المتمثلة بتردد الزبائن لشراء حاجاتهم من المؤسسات وذلك بطريقة قد تكون يومية أو أسبوعية أو شهرية.

        كما شملت الدراسات احتمالات استخدام السيارة لأعمال التسوّق حيث تم تخطيط مواقف في المراكز التجارية وتجهيزها لتفادي مشكلات السير والأزمات الناجمة عنها. وقد أدخل التصميم تعديلات هامة في شبكة المواصلات لجهة تنمية وسائل النقل وتنظيم ثلاثة محاور جديدة هي: محور البرج، محور المعرض، ومحور السرايا القديمة، أما محور البرج فقد تم فتحه على البحر لربط منطقة الأعمال المقترح إنشاؤها مكان الحوض الأول بساحة الشهداء، كما تم ربط محور المعرض بالبحر، أما محور السرايا فالغاية منه إيجاد واجهة بحرية لمنطقة السرايا وربطها بالحديقة العامة التي ستنشأ في مكان مكب النورماندي على البحر. وهكذا تسهّل هذه المحاور الحركة الداخلية وتربط بين مختلف أقسام الخط الدائري في الوسط، وذلك لتفادي أزمة الاختناق التي تتعرض لها معظم المدن خصوصاً في وسطها، وتؤمن حركة الدخول والخروج باتجاه البحر ومع المحيط المجاور.

       

- بالنسبة للوظيفة السياحية:

        يمثل وسط العاصمة مكان التقاء الوافدين إليها وهو أيضاً مكان اجتماع مختلف الأنشطة الاقتصادية والثقافية، كما أنه المساحة التي تبرز وجه المدينة ونافذتها على العالم، ففي الوسط نقرأ تاريخ المدينة. ومن الضروري أن يكون للوسط دوره السياحي وذلك من خلال إعادة بناء الفنادق والمطاعم واسترجاع مؤسسات اللهو والتسلية ودور السينما والملاهي، ويتبيّن أن التصميم الموضوع قد حافظ على بعض المباني القديمة في الوسط وذلك لأهميتها التاريخية والتراثية والمعمارية (بلغ عدد المباني المحافظ عليها 192 بناء)، بالإضافة إلى الكنائس والمساجد وكذلك الأبنية الحكومية ذات الطراز المعماري كالبرلمان ومبنى البلدية ومبنى وزارة الاتصالات والبريد، إضافة إلى مبنى السراي الكبير ومبنى العادلية (سابقاً) كما حافظ المخطط على الأبنية المتواجدة في أحياء المعرض، اللنبي، فوش، وشارع المصارف .. وهي تشكل نحو ربع المساحة الإجمالية لوسط بيروت.

        كذلك حافظ المخطط على بعض الأبنية المتفرقة مثل مبنى التياترو الكبير ومبنى ستاركو وفندق الهيلتون وبرج المر، وقد تم مثلاً استثناء التياترو الكبير من الهدم ليكون مسرحاً وطنياً في قلب العاصمة تجهزه الدولة وتضعه في تصرف المسرحيين اللبنانيين، وذلك بهدف إعادة بعث الحياة في وسط المدينة كمركز ثقافي وإعلامي على اعتبار أن العاصمة تمثل منارة فكرية وثقافية في العالم العربي والشرق الأوسط.

       

والبارز أيضاً أن المخطط الجديد قد ترك في منطقة الوسط مساحات حرة كافية للساحات العامة والشوارع وممرات للمشاة وذلك للتخفيف من الاكتظاظ السكاني، كما سيتم إنشاء حديقة عامة للالتقاء والتنزه بمساحة 60 ألف م2، بعد إلغاء مكتب النورماندي الذي يشوه منظر العاصمة على البحر، وتغطي مساحته 150 ألف م2 تقريباً.

 

6- ماذا نبني في الوسط ؟

        يبقى أن التنظيم الداخلي للوسط لا يمكن قراءته بشكل كامل بواسطة التصميم أو النظام التوجيهي العام، لأن التنظيم الذي يوزع المساحة بين أماكن مبنية وأخرى حرة لا يتضمن بشكل تفصيلي على كيفية استعلامات المباني أو المساحات الحرة والتي يجب أن ترفق بشروحات مفصلة لمحتويات الساحات والحدائق ووضع النصب والتماثيل وتصميم برك المياه وتوزيع المقاعد للمتنزهين، واختيار أماكن المقاهي واللهو لأنها ستصبح مراكز تجمع للناس في وسط المدينة.

        كلها علامات مرئية ومحسوسة ومخيفة أحياناً تتجسد من خلال التمازج في تنظيم وتوزيع الأشكال والمساحات في المجال المديني. إن ابن المدينة يميل إلى الابتعاد والهروب عن مدينته كلما سنحت له الفرصة، خصوصاً في عطلة نهاية الأسبوع وخلال الأعياد، يدفعه إلى ذلك عدم توفر شروط الحياة اللازمة في التجمع المديني، وهذا لا يرجع لتزايد عدد سكان المدينة أو لتشابك وظائفها أو نموها السرطاني المخيف، بل أنه نتيجة نسيان المدينة لطبيعتها الحقيقية وهدفها، وعدم توفر العناصر المحركة للوسط الإنساني.

        وفي نهاية الأمر كيف نعيد بناء وسط العاصمة الذي دمرته الحرب ؟ وكيف نعيد الحياة والنشاط إلى المدينة ؟ على ضوء المعلومات التي ذكرناها يتبيّن لنا أن بناء مدينة لا يرتكز فقط إلى تخطيط استعلامات الأرض وتوزيع مراكز التجارة والأبراج والشوارع والساحات، وتصميم المساكن وبناء الجسور وغيرها من المنشآت، بل المطلوب بناء المحيط المديني وتوفير وسائل الاندماج للإنسان الاجتماعي ثم خلق العناصر المحركة للأنشطة الحضرية فالمدينة رغم تخصصها بالأعمال التجارية والمالية والإدارية ليست إلاّ بيتاً ومكاناً للتلاقي الاجتماعي وهي بدون الإنسان تبدو مقفرة فارغة كالصحراء.

        إنّ بناء مدينة وفق قوانين الهندسة المعمارية وحدها لا يكفي، لأن المسألة لا تقتصر على البناء وفن العمارة، بل إن خلق مدينة يستوجب تشكيل فريق متكامل متعدد الاختصاصات والأنظمة، حيث يجب الاستعانة أيضاً بقوانين علم الاجتماع وعلم النفس

والجغرافيا، وحتى الفلسفة والشعر ... وربما ينطبق هذا على وسط العاصمة بيروت، الذي يجتاز اليوم مرحلة تاريخية حاسمة، وحيث تبرز الحاجة لإيجاد أمل في حياة أفضل.

        ويروي كاندليس في مقالة شهيرة بعنوان: "هندسة معمارية أم بناء" ان أوبالينوس، وهو مهندس معماري أثيني كان يتحدث في الهندسة المعماري مع صديق لأفلاطون حيث كانا يتجولان في أثينا ويتناقشان في الناس والشوارع، والهياكل والميادين، والوسط العام، وفي وقت ما توقفا أمام هيكل يوناني صغير، هيكل لأثينا، وقال أوبالينوس المهندس لصديقه، يا صديقي أنت الذي يعرف أشياء كثيرة أنت الذي يرى أشياء كثيرة قل لي ما هو شعورك أمام هذا الهيكل الصغير اليوناني وبدأ يصف بشكل عجيب هيكل النصر بدون أجنحة على الأكروبول وجعل الصديق يمتدح التناسق والمنظر الطبيعي ودقة التزيين. وبعد أن انتهى من الوصف قال أوبالينوس المهندس، نعم إنك تعرف أشياء كثيرة ولكنك لا ترى الشيء الجوهري، إن هذا الهيكل قد صنعته أنا أوبالينوس المهندس، لقد بينته حينما كنت شاباً، وفي ذلك الوقت كنت أحب فتاة، وكانت الوسـيلة الوحيدة للتعبير عن حبي لها هي بناء هذا الهيكل، والهندسـة المعمارية يا صديقي ليسـت إلاّ شـكلاً من أشـكال محبة الناس.