Showing posts with label Demographic change. Show all posts
Showing posts with label Demographic change. Show all posts

Tuesday, April 21, 2026

من الليطاني إلى الزهراني… خرائط التهجير تعيد رسم الجنوب

 هل يعود لبنان إلى القبضة الإسرائيلية؟

من الليطاني إلى الزهرانيخرائط التهجير تعيد رسم الجنوب

 

د. علي فاعور: رئيس مركز السكان والتنمية، وعضو المجلس الوطني للبحوث العلمية.

      مع اتساع رقعة الغارات الإسرائيلية وصدور إنذارات بإخلاء مناطق تمتد من جنوب الليطاني إلى ما بعد الزهراني، لا يبدو ما يجري مجرد تصعيد عسكري عابر. فالخرائط الميدانية تكشف نمطًا متدرجًا لإفراغ القرى الحدودية من سكانها (الخريطة المرفقة)، في مشهد يعيد إلى الأذهان تجربة 1982، ولكن بأدوات مختلفة. وبين أرقام تتحدث عن احتمال السيطرة على ما يقارب خُمس مساحة لبنان، وسوابق تاريخية وصلت إلى ثلثه، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل يُعاد احتلال الجنوب اللبناني اليوم كمنطقة عازلة بحكم الأمر الواقع؟.



أولاً: من تصعيد عسكري إلى إعادة رسم الجغرافيا

عام 1982 اجتاحت إسرائيل جنوب لبنان ووصلت إلى العاصمة بيروت، وبعد سنتين على الاحتلال، نشرت صحيفة «السفير» في 4 حزيران 1984 مقالة لي (د. علي فاعور)، كتبتها بعنوان: «ثلث الوطن في القبضة الإسرائيلية». اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، يعود السؤال نفسه في ظل تصعيد عسكري واسع: هل نحن أمام إعادة إنتاج هذا المشهد؟..

تشهد الساحة اللبنانية تصعيدًا يتجاوز طبيعته حدود الرد العسكري الظرفي، مع تكثيف الغارات وصدور إنذارات متكررة بإخلاء مناطق تمتد من جنوب نهر الليطاني وصولًا إلى ما بعد نهر الزهراني، إضافة إلى استهداف الضاحية الجنوبية. هذا التوسع الجغرافي في العمليات يترافق مع موجات نزوح واسعة، ما يشير إلى محاولة تتجاوز العمل العسكري نحو إعادة تشكيل المجال الجغرافي عبر تفريغه من سكانه.

إن ما يظهر ميدانيًا لا يعكس مجرد عمليات عسكرية متفرقة، بل نمطًا متدرجًا يبدأ من الشريط الحدودي ويتوسع نحو الداخل، في اتجاه خلق فراغ سكاني واسع على طول الحدود الجنوبية. وتكشف الخرائط السكانية أن قرى مثل عيتا الشعب، رامية، يارون، مارون الراس،عيترون، بليدا، ميس الجبل، حولا، العديسة، كفركلا، الطيبة، الخيام والوزاني، أصبحت شبه خالية من سكانها، في حين تتراجع نسب النزوح تدريجيًا في المناطق الأبعد مثل بنت جبيل، وصولًا إلى نزوح  نسبي في صور والنبطية.

هذا التدرج لا يبدو عشوائيًا، بل يعكس دينامية واضحة لإفراغ قرى وبلدات الشريط الحدودي، ما يطرح فرضية إنشاء منطقة أمنية عازلة فعلية، ولكن عبر التهجير والنزوح بدل الاحتلال المباشر.

ثانياً: الجذور التاريخية للأطماع في الأرض والمياه

لا يمكن فهم ما يجري اليوم بمعزل عن جذوره التاريخية. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، ارتبط المشروع الصهيوني بتصورات جغرافية تتجاوز حدود فلسطين، وتشمل مناطق من جنوب لبنان، خاصة تلك الغنية بالموارد المائية.

بدأت هذه التوجهات بمحاولات شراء الأراضي في مناطق الحولة والحدود اللبنانية منذ تسعينيات القرن التاسع عشر، مستهدفة الأراضي الزراعية الخصبة ومصادر المياه. ومع ترسيم الحدود عام 1923 خلال الانتدابين الفرنسي والبريطاني، جرى اقتطاع عدد من القرى والأراضي التي كانت ضمن المجال اللبناني وإلحاقها بفلسطين، خاصة في سهل الحولة، ما أدى إلى خسارة مساحات استراتيجية.

وقد أكد قادة الحركة الصهيونية هذا التوجه بوضوح. ففي مذكرة قُدمت إلى مؤتمر السلام في باريس عام 1919، شدد حاييم وايزمان على أن «المستقبل الاقتصادي الكامل لفلسطين يعتمد على إمدادات المياه... من نهر الليطاني»، ما يعكس مركزية البعد المائي في التفكير الاستراتيجي. كما عبّر دافيد بن غوريون عام 1948 عن رؤية توسعية تشمل تفكيك البيئة الإقليمية المحيطة، بما فيها لبنان.

وتكرّست هذه الأطماع عمليًا عبر سلسلة من الاعتداءات، من عمليات 1967 في منطقة العرقوب، إلى اجتياح 1978 وإنشاء ما سُمّي «الحزام الأمني»، وصولًا إلى الاجتياح الشامل عام 1982، رغم وجود حدود دولية معترف بها بموجب اتفاق الهدنة عام 1949.

ثالثاً: بين 1982 واليوم… من الاحتلال المباشر إلى التهجير المنهجي

يشكّل اجتياح 1982 نموذجًا واضحًا لفهم ما يجري اليوم. فقد بدأت العمليات في 4 حزيران 1982 بغارات جوية، تلتها عملية برية واسعة في 6 حزيران، أدت خلال أيام إلى السيطرة على مدن رئيسية مثل صور والنبطية وصيدا، والتقدم نحو الشوف وعاليه، وصولًا إلى بيروت.

وقد بلغت مساحة الأراضي المحتلة نحو 3100 كيلومتر مربع، أي ما يقارب ثلث مساحة لبنان، وأُخضع نحو ربع السكان للسيطرة العسكرية. كما أُنشئ «الشريط الأمني» الذي امتد حتى نهر الأولي، وضم عشرات القرى، حيث تم تهجير مئات آلاف السكان واعتماد سياسة الأرض المحروقة لإفراغ الجنوب.

اليوم، يتكرر المشهد، ولكن بأدوات مختلفة. فبدل الاحتلال المباشر، يتم اعتماد نمط يقوم على القصف المكثف والتهديد بالإخلاء، ما يؤدي إلى نتائج مشابهة من حيث تدمير القرى والمدن وتفريغ الأرض من سكانها. وتشير التقديرات إلى أن نطاق العمليات قد يمتد ما بعد نهر الليطاني حتى نهر الزهراني والأولي،  أي نحو 2000 كيلومتر مربع، ما يعادل حوالي 19% من مساحة لبنان ، وتشمل مجمل مساحة محافظتي الجنوب والنبطية، والبالغ عدد سكانها المقيمين نحو 800 ألف نسمة من اللبنانيين، يضاف اليهم نحو 350 ألف نسمة من الفلسطينيين والسوريين وغيرهم.

غير أن خطورة هذا الرقم لا تكمن في حجمه فقط، بل في قابليته للتوسع. فالتجربة التاريخية تُظهر أن الاحتلال الإسرائيلي في 1982 لم يحدث دفعة واحدة، بل بدأ من الجنوب وتوسع تدريجيًا نحو العمق. وعليه، فإن الحديث عن نطاق جغرافي محدود اليوم قد يشكّل مرحلة أولى ضمن مسار تصاعدي يعيد إنتاج نموذج التوسع السابق، ولكن بأساليب أقل كلفة عسكريًا.

رابعاً: الجنوب بين الفراغ السكاني والصمود التاريخي

إن ما يجري اليوم في جنوب لبنان لا يمكن فصله عن البعد الجيوسياسي الأوسع، حيث يتحوّل التهجير من نتيجة للحرب إلى أداة لإعادة تشكيل المجال الجغرافي. فإفراغ القرى الحدودية يخلق منطقة عازلة فعلية، ويحوّل الأرض إلى مجال عسكري مفتوح، يسهل التحكم به دون الحاجة إلى وجود دائم.

ويتقاطع هذا الواقع مع الخطاب السياسي الإسرائيلي الذي يركز على «إبعاد التهديد شمالًا»، ما يعزز فرضية الانتقال من السيطرة العسكرية المباشرة إلى إعادة تشكيل المجال السكاني كبديل استراتيجي.

غير أن التجربة التاريخية في لبنان، وخاصة خلال فترة الاحتلال بين 1982 و2000، أظهرت أن محاولات إفراغ الجنوب لم تنجح في تثبيت واقع دائم. فقد أدت المقاومة إلى تغيير ميزان القوى، وأجبرت إسرائيل على الانسحاب في 24 أيار 2000، في محطة مفصلية أكدت أن العلاقة بين الإنسان والأرض في الجنوب تتجاوز البعد المادي لتصبح عنصرًا من عناصر الصمود في مقاومة الاحتلال.

اليوم، تتكرر معادلة النزوح والتهجير الجماعي، ولكن في ظروف أكثر تعقيدًا أمام صمود المقاومة لمنع التقدم واحتلال الأرض، وفي مواجهة الانقسامات الداخلية حيث يهدد تأخر إعادة الإعمار بتحويل النزوح المؤقت إلى حالة طويلة الأمد. وهنا تكمن الخطورة الكبيرة، إذ يصبح الفراغ السكاني مدخلًا لإعادة رسم الواقع الجغرافي.

إن جغرافية الجنوب، الممتدة بين الليطاني والحاصباني، والزهراني والأولي (الخريطة المرفقة)، ليست مجرد مساحة أرض، بل هي مجال حيوي يرتبط بالمياه والزراعة والصمود والتمسك بالأرض. وبرغم كل موجات النزوح والتهجير والهجرة، يبقى الارتباط بين الإنسان وأرضه عاملًا حاسمًا في منع العدوان ومقاومة الاحتلال.

بناءً على ذلك، فإن ما يجري اليوم لا يمكن اعتباره تصعيدًا عابرًا، بل هو جزء من مسار تاريخي طويل من السعي إلى السيطرة على الأرض والمياه والموارد. وإذا كانت الأدوات قد تغيّرت، فإن الأهداف الأساسية تبدو ثابتة إلى حد كبير.

وهنا يعود السؤال المركزي:  جنوب بلا سكان؟ كيف يُعاد رسم حدود لبنان تحت النار.. وهل يعود لبنان إلى الوقوع في القبضة الإسرائيلية؟ وهل يواجه لبنان خطر فقدان خمس أراضيه؟  

الإجابة لا تزال مفتوحة، لكنها تتوقف على دور المقاومة في منع تحوّل الاحتلال إلى واقع دائم، وعلى دور لبنان لتأمين الدعم الدولي والحفاظ على تماسك العلاقة بين الأرض وسكانها، في مواجهة الأطماع الصهيونية ومشاريع أثبت التاريخ فشلها في افراغ الجنوب واعادة تشكيل الجعرافيا، وعجزها أمام ظاهرة الارتباط بين الانسان والارض.

 

 

 

 

الضاحية الجنوبية لبيروت: من مركز الثقل الديموغرافي الى محور النزوح العكسي

  1.  الضاحية الجنوبية لبيروت:

من مركز الثقل الديموغرافي الى محور النزوح العكسي

كيف يُعاد تشكيل الخريطة السكانية تحت ضغط التهجير؟

 

د. علي فاعور: رئيس مركز السكان والتنمية، وعضو المجلس الوطني للبحوث العلمية.

أولاً: نشأة الضاحية الجنوبية: من فضاء نزوح الى الوجه الديموغرافي لإفراغ الجنوب

لم تتشكّل الضاحية الجنوبية لبيروت كامتداد حضري طبيعي للعاصمة، بل جاءت نتيجة مباشرة لتحولات ديموغرافية فرضتها الحروب والنزاعات، خاصة في جنوب لبنان والبقاع. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، ومع تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية وعدم الاستقرار في المناطق الحدودية، بدأت موجات نزوح متتالية نحو بيروت، لتجد في أطرافها الجنوبية مساحة متاحة للسكن، رغم غياب التخطيط العمراني والبنية التحتية



تشير الدراسات السكانية في مطلع الثمانينيات إلى أن الضاحية نشأت كبيئة عمرانية غير منظمة، حيث غابت الإحصاءات الدقيقة، وارتفعت الكثافة السكانية بشكل سريع. وبمساحة لا تتجاوز نحو 20 كيلومترًا مربعًا، تحولت إلى فضاء حضري مكتظ استوعب عشرات آلاف النازحين، خصوصًا من الجنوب.

وعليه، يمكن اعتبار الضاحية منذ نشأتها امتدادًا جغرافيًا للنزوح الجنوبي، ونتاجًا مباشرًا للأزمات التي شهدتها الأطراف اللبنانية، وليس مجرد ضاحية سكنية تقليدية.

ثانياً: التحولات السكانية المتسارعة وبنية الهشاشة الحضرية

تكشف المعطيات الإحصائية عن نمو سكاني استثنائي في الضاحية الجنوبية خلال فترة قصيرة. فقد ارتفع عدد السكان من نحو 155 ألف نسمة عام 1970 إلى أكثر من 635 ألفًا عام 1982، أي تضاعف أكثر من أربع مرات خلال عقد واحد فقط. ليستقر عند حدود 700 ألف نسمة مطلع التسعينيات مع استمرار الزيادة لاحقًا.

ولم يكن هذا النمو نتيجة زيادة طبيعية، بل جاء بفعل النزوح القسري والهجرة الداخلية. حيث تحولت مناطق مثل حي السلم، الليلكي، الأوزاعي، والرمل العالي إلى مراكز استيعاب سريعة للسكان. كما تراوحت الكثافة السكانية بين 500 و1400 نسمة للهكتار، وهي من أعلى المعدلات في المنطقة، ما يعكس ضغطًا عمرانيًا شديدًا وبنية تحتية غير قادرة على الاستيعاب. يضاف إلى ذلك التفاوت الداخلي داخل الضاحية، حيث تبدو مناطق شرق بوليفار المطار أكثر تنظيمًا نسبيًا، مقابل مناطق أكثر هشاشة في الغرب، مثل الأوزاعي ومخيمات صبرا وشاتيلا  ومحيط المخيمات التي تعاني من الاكتظاظ والفقر.

هذا الواقع يبيّن أن الضاحية لم تتشكل كمدينة متوازنة، بل كـ نظام حضري هش وغير متكافئ، يجمع بين كثافة سكانية مرتفعة وضعف في الخدمات، ما يجعلها أكثر عرضة للصدمات والأزمات. 

ثالثاً: الضاحية كمجتمع مركّب : النزوح الداخلي واللجوء الخارجي

لم يتوقف النمو الديموغرافي عند مرحلة الثمانينيات، بل استمر خلال التسعينيات، حيث تربط الدراسات الميدانية بشكل مباشر بين زيادة عدد السكان واستمرار النزوح من الجنوب نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية وعدم الاستقرار الأمني. 

كما لا يمكن فهم البنية السكانية للضاحية الجنوبية دون التوقف عند طابعها المركّب، حيث تتداخل فيها موجات النزوح الداخلي مع وجود مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، ولا سيما في برج البراجنة وشاتيلا وصبرا.

وتشير التقديرات إلى أن عدد السكان المقيمين في الضاحية الجنوبية  قد تجاوز 750 ألف نسمة، مع إمكانية بلوغه أكثر من مليون نسمة، مدفوعًا بمعدلات زيادة مرتفعة تشمل النمو الطبيعي والنزوح القسري والتدفقات السكانية المستمرة.

فإلى جانب انتقال آلاف العائلات من قرى الجنوب التي اقتُلعت من جذورها، نشأت أحياء عشوائية مكتظة مثل حي السلم والليلكي والأوزاعي، في بيئات تفتقر إلى الحد الأدنى من التخطيط والخدمات. ويتقاطع هذا الواقع مع وجود تجمعات سكانية فلسطينية كثيفة، ما يجعل الضاحية فضاءً يجمع بين نوعين من الاقتلاع: داخلي وخارجي.

وعليه، تمثل الضاحية نموذجًا فريدًا لمجتمع مركّب، تتراكم فيه آثار النزوح واللجوء، ما يزيد من هشاشته ويعزز في الوقت نفسه دوره كمركز ديموغرافي ضاغط.  

رابعاً: الضاحية في معادلة الصراع – الطرد من الأطراف والضغط في المركز

في ضوء التطورات الراهنة، لم تعد الضاحية الجنوبية مجرد مساحة استيعاب للنزوح، بل تحولت إلى هدف مباشر ضمن المعادلة العسكرية، حيث شهدت مختلف أحيائها إنذارات متكررة بالإخلاء، ترافقت مع عمليات تدمير واسعة طالت الأبنية والبنية السكنية.

ويعكس هذا التحوّل انتقالًا واضحًا من استهداف الأطراف إلى استهداف مراكز التجمع السكاني، ضمن دينامية مزدوجة تقوم على:

· إفراغ القرى الحدودية في الجنوب

· الضغط على مناطق الاستيعاب، وفي مقدمتها الضاحية

وبذلك، يتحول النزوح من نتيجة للحرب إلى أداة لإعادة تشكيل المجال السكاني، حيث يُدفع المدنيون إلى مغادرة مناطقهم، ثم يُعاد تعريضهم للضغط في مناطق لجوئهم. كما يُعاد توزيع السكان ضمن بيئات حضرية مكتظة، ما يزيد من هشاشة التوازنات الاجتماعية والعمرانية.

إن استهداف الضاحية، بما تحمله من كثافة سكانية عالية وبنية عمرانية هشة، يكتسب بعدًا سياسيًا يتجاوز الجغرافيا، إذ تتحول إلى مساحة ضغط ديموغرافي يمكن من خلالها التأثير على التوازنات الداخلية. وعليه، فإن ما يجري اليوم لا يعكس فقط تصعيدًا عسكريًا، بل يشير إلى محاولة إعادة تشكيل الخريطة السكانية اللبنانية عبر الإخلاء القسري والتدمير المنهجي.

خامساً: الوزن الديموغرافي للضاحية الجنوبية: تحوّل مركز الثقل السكاني في لبنان...

كيف تحوّلت الضاحية الجنوبية إلى أكبر مركز سكاني في لبنان؟

يستحيل دراسة خريطة التهجير السكاني في بيروت دون التوقف عند الوزن الديموغرافي للضاحية الجنوبية، التي شهدت تحولات عميقة خلال عقود الحرب، جعلتها تنتقل من هامش عمراني ملحق بالعاصمة إلى مركز سكاني رئيسي يفوقها من حيث عدد المقيمين.

وتُظهر الخريطة المقارنة لتوزع السكان تركز الكتل السكانية الأكبر في مناطق مثل الغبيري، الشياح، برج البراجنة والأوزاعي، حيث تتخذ التجمعات طابعًا كثيفًا ومتصلًا، مقارنة بتوزع أقل كثافة داخل بيروت.

ويعكس ذلك تشكّل حزام سكاني كثيف جنوب العاصمة، نتيجة تراكم موجات النزوح على مدى عقود. ولا يحمل هذا التحول بعدًا إحصائيًا فحسب، بل يعكس إعادة تشكيل عميقة للمجال الحضري، حيث تحولت الضاحية من هامش عمراني إلى مركز ديموغرافي رئيسي يفوق العاصمة من حيث عدد السكان المقيمين.

 

وبذلك، لا يقتصر أثر إفراغ القرى الجنوبية على تفريغ الأطراف، بل يؤدي إلى إعادة تركيز السكان في الضاحية، التي تتحول تدريجيًا إلى مركز الثقل السكاني في لبنان، فهي لا تمثل  فقط مجرد منطقة استقبال للنزوح، بل تحوّلت إلى مركز النزوح العكسي وإعادة تمركز سكاني، وهي تعكس التحولات العميقة في البنية الديموغرافية للبنان.

سادساً: النزوح العكسي من الضاحية الجنوبية

. تكشف المعطيات الميدانية الراهنة عن تحوّل نوعي في أنماط النزوح داخل بيروت الكبرى، حيث لم تعد الضاحية الجنوبية تمثل فقط مركزًا لاستقبال النازحين من جنوب لبنان، بل تحوّلت بدورها إلى نقطة انطلاق لموجات نزوح جديدة باتجاه العاصمة ومناطق أخرى من البلاد. ويعكس هذا التحول انتقال الأزمة من مرحلة “إعادة التمركز” إلى مرحلة “إعادة النزوح داخل المركز الحضري نفسه”.

وتُظهر الخريطة المرفقة، والتي تحدد أحياء الضاحية الجنوبية ذات الكثافة السكانية المرتفعة، ولا سيما برج البراجنة، حارة حريك، الغبيري، الأوزاعي، والليلكي، أن هذه المناطق شكّلت خلال السنوات الماضية الحاضنة الأساسية للنازحين من الجنوب. غير أن تعرضها المباشر للاعتداءات والتهديدات بالإخلاء أدى إلى تفريغها جزئيًا، ودفع سكانها إلى النزوح القسري نحو أحياء بيروت الغربية.

وفي هذا السياق، تبرز مسارات نزوح واضحة تتجه من الضاحية نحو أحياء زقاق البلاط، خندق الغميق، المزرعة، المصيطبة، ورأس بيروت، حيث تم إنشاء مراكز إيواء مؤقتة في المدارس والساحات العامة، إضافة إلى استخدام الفنادق كملاجئ بديلة. كما تشير المعطيات إلى انتشار مظاهر الإيواء العشوائي، بما في ذلك إقامة خيّم على الطرقات، خصوصًا على الواجهة البحرية، إلى جانب فتح مرافق عامة كبرى مثل المدينة الرياضية لاستيعاب أعداد كبيرة من النازحين.

وتُقدّر هذه الموجة الأخيرة من النزوح بنحو 650 ألف شخص غادروا الضاحية الجنوبية، ما يشير إلى ضغط ديموغرافي غير مسبوق على العاصمة بيروت. كما لم يقتصر النزوح على الإطار الحضري، بل امتد إلى مناطق أبعد، حيث توجهت مجموعات من النازحين نحو الشمال، ولا سيما طرابلس والمنية والضنية وعكار، إضافة إلى بعض مناطق جبل لبنان مثل جبيل، ما يعكس توسّع نطاق إعادة توزيع السكان على المستوى الوطني.

وعند ربط هذه المعطيات بالخريطة، يمكن ملاحظة أن أحياء الضاحية الجنوبية تتحول من “نقطة جذب ديموغرافي” إلى “منطقة ضغط وطرد ثانوي”، ضمن سلسلة متواصلة من النزوح المتكرر.

إن هذا التحوّل يعكس نمطًا مركبًا من النزوح متعدد المراحل، يبدأ بتفريغ الجنوب، ثم إعادة تمركز السكان في الضاحية، لينتقل لاحقًا إلى تفريغ جزئي لهذه الضاحية نحو العاصمة ومناطق أخرى. وهو ما يشير إلى أن لبنان يشهد اليوم نظامًا ديناميكيًا لإعادة توزيع السكان، لا يتوقف عند حدود جغرافية معينة، بل يتوسع تدريجيًا ليشمل مختلف المناطق.

وعليه، فإن الضاحية الجنوبية لم تعد فقط مرآة لتحولات النزوح من الجنوب، بل أصبحت حلقة مركزية في سلسلة متواصلة من التهجير الداخلي، ما يعزز موقعها كعنصر مفصلي في فهم إعادة تشكيل المجال السكاني في لبنان.

 

الخاتمة.

تكشف القراءة المتكاملة للتحولات الديموغرافية في الضاحية الجنوبية، في ضوء الخريطة التحليلية المرفقة، عن انتقال هذه المنطقة من مجرد فضاء لاستيعاب النزوح إلى عنصر ديناميكي في دورة متواصلة من إعادة توزيع السكان داخل لبنان.

لقد شكّلت الضاحية الجنوبية، على مدى عقود، الوجه الديموغرافي لإفراغ الجنوب، حيث استوعبت الكتل السكانية النازحة من المناطق الحدودية والبقاع، وتحوّلت تدريجيًا إلى مركز ثقل سكاني يفوق العاصمة بيروت من حيث الكثافة والامتداد العمراني. غير أن الاعتداءات الاسرائيلية الأخيرة، وما رافقها من استهداف مباشر وتهديدات بالإخلاء طالت أحياءها الأكثر كثافة، وهي قد أدخلت الضاحية في مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا.

وتُظهر الخريطة بوضوح هذا التحوّل، حيث تنطلق موجات النزوح من قلب الضاحية باتجاه أحياء بيروت الغربية، في دلالة على نشوء حركة نزوح عكسي كثيف نحو العاصمة. كما تمتد هذه الحركة إلى نطاق أوسع، لتشمل مناطق الشمال وبعض مناطق جبل لبنان، ما يعكس توسّع دائرة إعادة توزيع السكان على المستوى الوطني.

وبذلك، تتحول الضاحية من “مركز استقبال” إلى “منطقة ضغط وإخلاء جماعي”، ضمن مسار متسلسل يبدأ بتفريغ الجنوب، ثم إعادة تمركز السكان في الضاحية، لينتقل لاحقًا إلى إعادة نزوحهم نحو بيروت ومناطق أخرى.

إن هذا المسار لا يعكس فقط أزمة إنسانية متفاقمة، بل يشير إلى إعادة تشكيل عميقة للمجال السكاني في لبنان، حيث تتحوّل المدن إلى فضاءات ضغط ديموغرافي متحركة، وتتراجع الحدود التقليدية بين مناطق الطرد والاستقبال. وفي هذا السياق، لم تعد بيروت مجرد مركز استيعاب، بل أصبحت بدورها عرضة لضغط سكاني متزايد، ما يهدد بتوسيع نطاق الأزمة إلى كامل المجال الحضري.

وعليه، فإن الضاحية الجنوبية تختصر في مسارها، من النشأة إلى التمركز، ومن التمركز إلى النزوح العكسي، مجمل التحولات البنيوية التي يشهدها لبنان، حيث لم يعد النزوح حدثًا مرحليًا، بل أصبح نظامًا مستمرًا لإعادة توزيع السكان، يعيد رسم الخريطة الديموغرافية للبلاد في واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا.

 

خريطة اتجاهات النزوح العكسي من الضاحية الجنوبية نحو بيروت والمناطق المحيطة..

 

 

 

Tuesday, November 28, 2023

حول حق الإختلاف وسؤال الهوية.. كلمة د. علي فاعور - (عميد كلية الآداب في الجامعة اللبنانية).

 

 حول حق الإختلاف وسؤال الهوية.. كلمة د. علي فاعور - (عميد كلية الآداب في الجامعة اللبنانية).

حول حق الإختلاف وسؤال الهوية.. في المؤتمر الفلسفي العربي الخامس،

مجلة الانشاء - (AL-INSHAA-Friday 6 February 2009 No. 6967-Year 62)

الجمعة 1 شباط ۲۰۰۹، الموافق فيه ١٠ صفر ١٤٣٠ هـ - العدد ٦٩٦٧ - السنة ٦٢...

 

تمثل العناوين المقترحة في هذا المؤتمر محاور رئيسة بارزة من حق الاختلاف ومفهوم الهوية، والمواطنية والهوية، والهوية والعولمة ، ونقد الاختلاف وثقافة الاختلاف، وغيرها مما ورد.. لقد عانى لبنان ويلات الحرب ودفع سكانه ثمن الاختلاف الطائفي والسياسي والثقافي..

ويكفي أن أذكر أمامكم أن لبنان قد خسر بفعل الحرب الأهلية، وخلال ثلاثة عقود من الزمن، خسر جيلا بكامله من السكان العاملين، وغالبيتهم من الشباب المتعلمين من ذوي المهارات الفنية وأصحاب الكفاءات المتميزة.

 





أود في البداية أن أنقل إليكم تحيات رئيس الجامعة اللبنانية الدكتور زهير شكر الذي أكد لي

اهتمامه وتشجيعه لهذا المؤتمر. كما يسرني، كعميد لكلية الآداب والعلوم الإنسانية، المشاركة في أعمال هذا المؤتمر الذي يضم نخبة من الزملاء الأساتذة الجامعيين والباحثين والضيوف من الجامعات العربية في سوريا والأردن والعراق والمغرب وتونس ومصر واليمن....

 أهلا وسهلا بكم في رحاب الجامعة اللبنانية، في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، في مدينة طرابلس المدينة العربية والإسلامية الأصيلة، مدينة الحضارة والتاريخ..

إنني أهنئ الباحثين والمشاركين في جلسات المؤتمر على المستوى الرفيع الذي وجدته عند قراءة برنامج العمل، بحيث تمثل العناوين المقترحة محاور رئيسة بارزة من حق الاختلاف ومفهوم الهوية، والمواطنية والهوية، والهوية والعولمة ، ونقد الاختلاف وثقافة الاختلاف، وغيرها مما ورد ...

 وكلها عناوين هامة وذات دلالة في مجتمعاتنا، وهي مسائل فلسفية بارزة لطالما شكلت قضايا خلافية كانت في أساس النزاعات المتنقلة والمتجددة في العديد من الدول العربية.

وإذا كانت موضوعات الاختلاف وحق الاختلاف وسؤال الهوية، قد شكلت الموضوعات الأساسية في هذا المؤتمر، فمن المهم أن لا ننسى التجربة المرة التي عشناها في لبنان أثناء الحرب الأهلية، والتي لا زالت انعكاساتها بارزة في مختلف المجالات الاجتماعية والديموغرافية والاقتصادية والسياسية.

ويكفي أن أذكر أمامكم أن لبنان قد خسر بفعل الحرب الأهلية، وخلال ثلاثة عقود من الزمن، خسر جيلا بكامله من السكان العاملين، وغالبيتهم من الشباب المتعلمين من ذوي المهارات الفنية وأصحاب الكفاءات المتميزة.

ولا أخفي عنكم أيضاً، أنني قد وجدت في هذا المؤتمر عناوين كثيرة تهمني كباحث، قضيت أكثر من ربع قرن من عمري وأنا أكتب في موضوعات الهجرة والتهجير السكاني والتنمية البشرية، وانعكاسات الحرب الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية.. ونشرت كتاباً بعنوان "الهجرة للبحث عن وطن"، حيث يهاجر الشباب للبحث عن وطن وعن هوية خارج لبنان، الذي يواجه تحديات مصيرية أدت إلى استنزاف موارده البشرية.

 

لقد عانى لبنان ويلات الحرب ودفع سكانه ثمن الاختلاف الطائفي والسياسي والثقافي إذ فشلت حتى الآن جميع محاولات إعادة بناء الدولة حيث يبرز ويزداد التباين بين المناطق الجغرافية من حيث مستوى المعيشة وحجم الأسرة والتركيب الديموغرافي والاقتصادي والاجتماعي، حيث لا زالت توجد في لبنان اليوم برغم مساحته الضيقة ( ١٠٤٠٠ ) كلم ٢ مناطق جغرافية نائية في الأطراف تكاد تكون معزولة عن غيرها من المناطق المجاورة.

نعم إن حق الاختلاف السياسي والطائفي والثقافي لا يجب ألا يحجب عنا حق الانتماء للدولة وحق الاعتراف بالآخر، مهما كانت عقيدته السياسية أو انتماؤه الطائفي، وعلى قاعدة أن الوطن للجميع والداعمين.... وفق مبدأ المساواة المكانية والاجتماعية، ولكل فرد حقوقه في العمل والتعليم والصحة، حيث يحق للناس، وبرغم الاختلاف والتنوع، أن يعيشوا حياة سعيدة، وصحية ، وطويلة وخلاقة.

أشعر أني تجاوزت الافتتاح إلى مجال البحث، وهي حشرية الباحث الذي وجد الفرصة سانحة.... أتمنى لهذا المؤتمر النجاح في الأيام الثلاثة القادمة وأنا على ثقة بأن النتائج ستكون هامة، وعلى مستوى التحديات التي تواجهنا في البحث عن الهوية ومفهوم الاختلاف والمواطنية في زمن العولمة حيث لا حدود بين الناس وبين الدول في الألف الثالث. وإني أشكر الزملاء الأساتذة في قسم الفلسفة شمالا والاتحاد الفلسفي العربي على جهودهم التي بذلوها في تنظيم هذا المؤتمر، لتبقى الجامعة اللبنانية ملتقى الحوار لقضايا الفكر والفلسفة والحضارة، كما أشكر جميع المنظمين والمشاركين والداعمين.

من حضور المؤتمر: د. علي الجابري، د. محمد المصباحي، أ. مطاع صفدي، د. محمد على الكبسي، د. محمد عريبي، العميد د. ناصيف نصار...

 

ملحق خاص: هذا الملف من إعداد : د. مصطفى الحلوة: عضو اللجنة التحضيرية للمؤتمر أستاذ في قسم الفلسفة - كلية الآداب - الفرع الثالث...

أعمال المؤتمر الفلسفي العربي الخامس : "حق الاختلاف وسؤال الهوية"،  تظاهرة بحثية في طرابلس للاتحاد الفلسفي العربي وقسم الفلسفة في كلية الآداب الفرع الثالث - الجامعة اللبنانية- كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الفرع الثالث، قسم الفلسفة، بالتعاون مع بلدية طرابلس المؤتمر الفلسفي العربي الخامس