Thursday, June 18, 2026

هل انتهت الحرب في لبنان؟ بين الهدنة المعلنة والتسوية الإقليمية الجديدة



  هل انتهت الحرب في لبنان؟

بين الهدنة المعلنة والتسوية الإقليمية الجديدة

مقدمة

مع دخول مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية حيّز التنفيذ، برز لبنان للمرة الأولى بصورة مباشرة في نص اتفاق إقليمي ينص على وقف الحرب على مختلف الجبهات، ويؤكد وحدة أراضيه وسيادته. ويأتي ذلك بعد أكثر من عامين من المواجهات التي خلّفت خسائر بشرية واسعة وأدت إلى موجات نزوح غير مسبوقة وأضرار كبيرة في المناطق الحدودية.

غير أن أهمية الاتفاق لا تكمن في توقيعه بحد ذاته، بل في ما يمكن أن يترتب عليه من تحولات سياسية وميدانية داخل لبنان. فالسؤال المطروح اليوم لم يعد يتعلق بوقف الحرب فحسب، بل بمدى قدرة التسوية الإقليمية الجديدة على معالجة القضايا التي أفرزها الصراع، وفي مقدمتها الانسحاب، والاستقرار الحدودي، ومستقبل الجنوب اللبناني.

وفي ظل التفاهمات المستجدة والمفاوضات المرتقبة، تتجه الأنظار إلى مرحلة التنفيذ، حيث سيُختبر الاتفاق للمرة الأولى على أرض الواقع، وستتحدد على ضوء نتائجه ملامح المشهد اللبناني في السنوات المقبلة.

د. علي فاعور: رئيس مركز السكان والتنمية.

لبنان في قلب التسوية الإقليمية الجديدة

على امتداد السنوات الأخيرة، كان لبنان يُنظر إليه باعتباره إحدى ساحات التوتر المرتبطة بالصراعات الإقليمية الأوسع، حيث تداخلت التطورات الحدودية مع التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها المنطقة. ومع اتساع رقعة الحرب منذ عام 2023، تحوّل الجنوب اللبناني إلى أحد أبرز ميادين الصراع، فيما دفع لبنان ككل أثماناً بشرية واقتصادية واجتماعية باهظة نتيجة استمرار المواجهة وتوسع نطاقها.

غير أن التطور الأبرز الذي حملته الأسابيع الأخيرة لا يتمثل فقط في التوصل إلى هدنة، بل في إدراج لبنان بصورة مباشرة ضمن إطار التفاهمات الإقليمية الجديدة. فالمادة الأولى من مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية لم تكتفِ بالإشارة إلى وقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، بل نصّت صراحة على شمول لبنان بهذا الالتزام، وعلى ضمان وحدة أراضيه وسيادته، بما يمنح الملف اللبناني موقعاً مختلفاً عن المراحل السابقة.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن لبنان كان خلال العقود الماضية غالباً ما يظهر في سياق نتائج التسويات الإقليمية لا في صلب نصوصها. كما أن المواقف الدولية التي رافقت الاتفاق، ولا سيّما الدعوات المتكررة إلى احترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه، تؤشر إلى وجود تقاطع دولي نادر حول ضرورة الانتقال من إدارة الصراع إلى تثبيت الاستقرار.

ومن هذا المنطلق، لم يعد السؤال المطروح اليوم ما إذا كان لبنان قد تأثر بالتفاهمات الإقليمية، بل كيف سيستفيد منها، وما إذا كانت هذه التسوية ستتمكن من تحويل لبنان من ساحة مواجهة متكررة إلى دولة تستعيد تدريجياً استقرارها وسيادتها ودورها الطبيعي في محيطها الإقليمي.

من وقف إطلاق النار إلى إنهاء الحرب

لا يعني التوصل إلى هدنة بالضرورة طي صفحة الصراع. فالتاريخ الحديث للمنطقة يبين أن العديد من الحروب توقفت ميدانياً فيما استمرت أسبابها السياسية والاستراتيجية قائمة. ومن هنا تبرز أهمية الاتفاق الحالي، ليس بوصفه آلية لوقف المواجهة فحسب، بل باعتباره محاولة للانتقال إلى مرحلة مختلفة تقوم على إعادة تنظيم العلاقات والتوازنات التي حكمت الصراع خلال السنوات الماضية.

وفي الحالة اللبنانية، يكتسب هذا التحول أهمية خاصة لأن الجنوب عاش لعقود ضمن معادلة تقوم على التوتر المستمر وعدم اليقين. أما اليوم، فإن الحديث لم يعد يقتصر على احتواء الأزمة، بل يتصل بإمكانية الانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها تثبيت الاستقرار ومعالجة الملفات التي بقيت عالقة منذ سنوات طويلة.

ومع ذلك، فإن الفرق يبقى كبيراً بين إعلان النوايا وبين النتائج الفعلية. فنجاح الاتفاق لن يقاس بما ورد في نصوصه، بل بقدرته على إنتاج واقع مختلف يخرج الجنوب اللبناني من دائرة الأزمات المتكررة ويفتح الباب أمام مرحلة أكثر استقراراً.

الانسحاب الإسرائيلي... الاختبار الأول للاتفاق

إذا كانت المادة الأولى من مذكرة التفاهم قد نصّت على وقف العمليات العسكرية وضمان وحدة الأراضي اللبنانية وسيادتها، فإن ترجمة هذه المبادئ إلى وقائع ميدانية تبقى مرتبطة بمسألة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية وتنفيذ الالتزامات الناتجة عن الاتفاق.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن معظم الأزمات التي شهدها الجنوب خلال العقود الماضية ارتبطت بالفجوة بين النصوص السياسية والواقع الميداني. فمنذ اتفاق الهدنة عام 1949 مروراً بالانسحاب الإسرائيلي عام 2000 والقرار 1701 عام 2006، بقيت ملفات الحدود والاحتلال والخروقات في صلب التوترات التي حكمت العلاقة بين الجانبين.

وفي هذا السياق، يشكل الانسحاب المعيار الأكثر وضوحاً لقياس مدى الالتزام بالاتفاق الجديد، فالالتزامات الواردة في الاتفاق لا تكتمل عملياً ما لم تترافق مع إزالة أسباب التوتر المباشرة.

كما أن الانسحاب لا يقتصر على بعده الأمني أو القانوني، بل يرتبط بمجموعة من الملفات الأخرى، منها عودة السكان إلى القرى الحدودية، وإعادة تشغيل المرافق والخدمات، واستئناف النشاط الزراعي والاقتصادي في المناطق التي تعطلت خلال الحرب. لذلك فإن أي تأخير أو تباين في تفسير الالتزامات المرتبطة بالانسحاب سيؤثر مباشرة في قدرة الاتفاق على تحقيق أهدافه المعلنة.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة لن تُقاس بعدد البيانات الصادرة عن الأطراف المختلفة، بل بالخطوات التنفيذية على الأرض. فكل تقدم فعلي في تنفيذ الانسحاب ومعالجة القضايا الحدودية العالقة سيعزز فرص تثبيت الاستقرار، فيما سيؤدي أي تعثر أو مماطلة إلى إبقاء عناصر التوتر قائمة، حتى في ظل وجود اتفاق سياسي شامل.

من التفاهمات الدولية إلى المفاوضات المباشرة

لا تمثل مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية نهاية المسار السياسي، بل تشكل الإطار العام الذي يفترض أن تنبثق منه ترتيبات أكثر تفصيلاً لمعالجة القضايا العالقة. وفي هذا السياق، تكتسب المفاوضات المباشرة المرتقبة أهمية خاصة، لأنها تنقل الملف اللبناني من مرحلة التفاهمات العامة إلى مرحلة البحث في آليات التنفيذ.

ويكشف تزامن الاتفاق الإقليمي مع انطلاق مسار تفاوضي جديد حول لبنان عن وجود مستويين متكاملين من المعالجة السياسية. فالتفاهم الدولي أرسى المبادئ العامة المرتبطة بوقف الحرب واحترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه، بينما تتولى المفاوضات اللاحقة معالجة الملفات التنفيذية التي تتطلب ترتيبات أكثر تفصيلاً، ولا سيّما ما يتعلق بالحدود والانسحاب وآليات تثبيت الاستقرار.

وتختلف هذه المرحلة عن محطات سابقة شهدها لبنان، لأن المفاوضات لا تجري في ظل حرب مفتوحة أو تصعيد متواصل، بل في ظل اتفاق إقليمي أوسع يوفر غطاءً سياسياً لمسار التهدئة. وهذا ما يمنحها فرصة أكبر لمعالجة ملفات بقيت عالقة لسنوات طويلة نتيجة غياب التفاهمات السياسية اللازمة أو تعثر المبادرات الدولية السابقة.

وفي المقابل، فإن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف المختلفة على الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق معالجة أسبابها. فالمفاوضات لا تقتصر على تثبيت وقف الاعتداءات، بل يفترض أن تفتح الباب أمام مقاربة أكثر شمولاً لمسائل الاستقرار الحدودي والسيادة وإعادة بناء الثقة، وهي عناصر أساسية لضمان استدامة أي اتفاق يتم التوصل إليه.

لبنان أمام استحقاقات ما بعد الحرب

يبرز الجنوب اللبناني في صلب هذه المرحلة، باعتباره المنطقة التي تحملت الجزء الأكبر من المواجهات والنزوح والتدمير. فعودة السكان إلى قراهم وبلداتهم، وإعادة تأهيل المساكن والبنى التحتية، واستعادة النشاط الاقتصادي المحلي، ستشكل مؤشرات أساسية على الانتقال الفعلي من مرحلة الحرب إلى مرحلة التعافي.

 

كما أن الدولة اللبنانية ستكون أمام اختبار لا يقل أهمية، يتمثل في قدرتها على إدارة مرحلة ما بعد الحرب ضمن رؤية متكاملة لا تقتصر على إزالة آثار الدمار، بل تشمل أيضاً تعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في المناطق المتضررة. فالتجارب السابقة أظهرت أن إعادة الإعمار وحدها لا تكفي إذا لم تترافق مع سياسات قادرة على تثبيت السكان وتحريك الاقتصاد المحلي وتحسين الخدمات الأساسية في المناطق المتضررة..

.وفي الوقت نفسه، تطرح المرحلة المقبلة تحديات طويلة الأمد تتجاوز الجوانب المادية المباشرة، ولا سيما ما يتعلق بالتحولات السكانية والهجرة الداخلية والخارجية، وبإعادة بناء الثقة بمستقبل المناطق الحدودية بعد سنوات من عدم الاستقرار. وهي قضايا ستؤثر بصورة مباشرة في شكل الجنوب اللبناني خلال السنوات المقبلة.

خاتمة

يمثل الاتفاق الجديد تحولاً مهماً في مسار الصراع الذي شهدته المنطقة خلال السنوات الأخيرة، لكنه لا يشكل بحد ذاته نهاية لجميع القضايا التي أفرزتها الحرب. فالتجربة التاريخية تظهر أن الاتفاقات تكتسب قيمتها من قدرتها على الصمود في مرحلة التنفيذ، لا من النصوص التي تتضمنها.

واليوم، تتجه الأنظار إلى المرحلة التي تلي التوقيع، وإلى قدرة الأطراف المعنية على ترجمة الالتزامات المعلنة إلى خطوات ملموسة على الأرض، ولا سيما في ما يتعلق بالانسحاب والاستقرار الحدودي واحترام السيادة اللبنانية. ويكتسب الاتفاق أهمية إضافية، مع النص في بنده الرابع عشر والأخير، على اعتماده  بموجب قرار ملزم عن مجلس الأمن الدولي ، ما يمنحه بعداً قانونياً ودولياً يتجاوز اطار التفاهم السياسي المباشر.سو

وعند هذه النقطة فقط يمكن الحكم على ما إذا كان الاتفاق قد فتح فعلاً صفحة جديدة في تاريخ الجنوب اللبناني، أم أنه سيبقى محطة أخرى في مسار طويل من الصراعات والتسويات غير المكتملة.

وعليه، فإن التحدي لم يعد يتمثل في وقف الحرب، بل في ترجمة التسوية الإقليمية إلى وقائع سياسية وميدانية داخل لبنان.

 



 

Monday, May 11, 2026

جنوب لبنان تحت النار وضغوط التفاوض>> الجغرافيا التي تُعاد كتابتها بالقوة

 

جنوب لبنان تحت النار وضغوط التفاوض

الجغرافيا التي تُعاد كتابتها بالقوة

د. علي فاعور: رئيس مركز السكان والتنمية

لم تعد التطورات الجارية في جنوب لبنان منذ عام 2024 تُقرأ باعتبارها مجرد مواجهة حدودية أو تصعيدًا عسكريًا ظرفيًا. فمع اتساع نطاق التدمير والإخلاءات، وتحول أجزاء واسعة من الجنوب إلى مناطق شبه خالية من السكان، برز مسار متدرج لإعادة تنظيم المجال الجنوبي أمنيًا وجغرافيًا. وفي موازاة ذلك، تتصاعد الضغوط السياسية والدبلوماسية على لبنان لدفعه نحو مسار تفاوضي جديد، ما يجعل الجنوب يعيش اليوم تقاطعًا معقدًا بين الحرب وإعادة رسم النفوذ والضغط السياسي


.

وتزداد خطورة هذه التحولات لأنّها تجري في لحظة لبنانية شديدة الهشاشة، حيث يعاني البلد من انهيار اقتصادي ومالي غير مسبوق، وتراجع في قدرات الدولة، وتصاعد الضغوط الخارجية والانقسامات الداخلية، ما يحدّ من قدرة لبنان على حماية مجاله الجغرافي أو مواجهة محاولات فرض وقائع جديدة على الأرض.

من الشريط الحدودي إلى المنطقة الأمنية الموسعة

تكشف الوقائع الميدانية الراهنة أن المنطقة الأمنية لم تعد مجرد شريط حدودي ضيق ملاصق للحدود الجنوبية، بل تحولت تدريجيًا إلى نطاق متدرج يمتد شمالًا داخل العمق الجنوبي. فبعد تدمير واسع شمل معظم قرى الخط الأول جنوب الليطاني، بدأت منذ آذار 2026 مرحلة جديدة من الإنذارات والإخلاءات المتكررة باتجاه مناطق أعمق شملت محيط النبطية وجبل الريحان وقطاعات واسعة بين الليطاني والزهراني.

وبذلك لم يعد الجنوب يعيش فقط حالة تماس عسكري عند الحدود، بل بات يواجه إعادة تنظيم تدريجية للمجال عبر إنتاج طبقات متتالية من الهشاشة الأمنية: منطقة شبه محظورة في القرى الأمامية، وأحزمة داخلية تخضع للضغط المستمر، ومناطق أعمق تعيش حالة عدم استقرار دائم بفعل التهديد المتكرر بالقصف والإخلاء.

ويعكس هذا التحول انتقالًا من نموذج الاحتلال المباشر إلى نموذج أكثر مرونة يقوم على فرض وقائع ميدانية تعرقل الاستقرار وإعادة الإعمار والعودة الطبيعية للسكان، من دون الحاجة إلى سيطرة عسكرية دائمة على كامل الأرض.

الجغرافيا الحاكمة: المرتفعات والمياه والعقد الاستراتيجية

لا يتحرك هذا التوسع بصورة عشوائية، بل يرتبط بوضوح بالبنية الجغرافية للجنوب اللبناني. فالضغط الميداني يتركز بصورة لافتة حول المرتفعات المشرفة، والعقد الطوبوغرافية، والأحواض المائية، ومحاور الحركة الرابطة بين الساحل والداخل.

وتبرز أهمية المرتفعات الممتدة بين النبطية وجبل الريحان، والمشرفات المطلة على القطاعين الغربي والشرقي، والمرتفعات المرتبطة بقطاع العرقوب وحاصبيا، باعتبارها مواقع تمنح قدرة على الإشراف والتحكم بالممرات الداخلية والأودية ومحاور الربط بين مناطق الجنوب.

كما أن التوسع الميداني يتقاطع مع أحواض مائية ذات أهمية استراتيجية، ولا سيما الليطاني والحاصباني والوزاني، وهي عناصر لم تكن يومًا مجرد موارد طبيعية عادية في الحسابات الجيوسياسية المرتبطة بجنوب لبنان. فمنذ بدايات القرن العشرين حضرت هذه الموارد ضمن التصورات التوسعية المرتبطة بإعادة رسم الحدود والنفوذ في المنطقة.

وتكتسب هذه الخلفية أهمية خاصة عند العودة إلى مذكرة خاييم وايزمان عام 1919 التي طالبت بتوسيع الحدود شمالًا وصولًا إلى الليطاني، ما يكشف أن بعض عناصر الجغرافيا الجنوبية كانت حاضرة منذ وقت مبكر ضمن تصورات استراتيجية تتجاوز مجرد حماية الحدود.

خطاب أمني قديم بمسميات جديدة

يُقدَّم التوسع الميداني اليوم تحت عناوين مثل «حماية الشمال» و«الدفاع عن الحدود» و«إزالة التهديدات»، غير أن هذا الخطاب ليس جديدًا في تاريخ الصراع مع لبنان. فقد سبق أن جرى اجتياح لبنان عام 1982 تحت عنوان «سلامة الجليل»، كما قُدّمت عملية «تصفية الحساب» عام 1993، وعملية «عناقيد الغضب» عام 1996، ضمن خطاب دفاعي مشابه.

لكن التجارب التاريخية أظهرت أن العمليات التي بدأت تحت شعارات أمنية تحولت في كثير من الأحيان إلى مشاريع لإعادة تنظيم المجال الجنوبي وفرض وقائع طويلة الأمد على الأرض. فاحتلال عام 1978 وما تلاه أدى إلى إنشاء منطقة أمنية امتدت لعقود، وقُسّم خلالها الجنوب إلى نطاقات متدرجة الوظيفة: مناطق حدودية معزولة، وأخرى محجوزة في مواجهة الاحتلال لتوفير حماية إضافية للمستوطنات الشمالية.

وقد شملت هذه المنطقة عشرات القرى والبلدات، وتسببت في تهجير واسع النطاق وتفكيك البنية السكانية للجنوب على امتداد أكثر من عشرين عامًا حتى الانسحاب عام 2000. واليوم تتكرر أنماط مشابهة، ولكن بأدوات أكثر مرونة وتعقيدًا، حيث يجري إنتاج حدود فعلية جديدة للاستخدام والحركة والسكن داخل الأراضي اللبنانية من دون إعلان رسمي عن تعديل الحدود الدولية.

الإفراغ السكاني كأداة لإعادة تشكيل الجنوب

يشكل الإفراغ السكاني أحد أخطر التحولات الجارية في الجنوب اللبناني. فالمسألة لم تعد تقتصر على نزوح مؤقت مرتبط بالعمليات العسكرية، بل باتت ترتبط بتحويل أجزاء واسعة من الجنوب إلى فضاءات منخفضة الكثافة السكانية ومحدودة الوظيفة المدنية.

وتكشف التجربة الحالية أن القصف الواسع، وتكرار الإنذارات، واستهداف البنية السكنية والخدماتية، تؤدي مجتمعة إلى تقويض شروط الحياة الطبيعية في القرى الجنوبية، ما يدفع السكان إلى النزوح الطويل الأمد أو يمنعهم من العودة والاستقرار. ومع اتساع نطاق التدمير، تتحول بعض المناطق تدريجيًا إلى أحزمة شبه فارغة تشكل امتدادًا وظيفيًا للمنطقة الأمنية.

ويكتسب هذا الواقع أبعادًا أكثر خطورة إذا ما قورن بالتجارب السابقة، ولا سيما خلال فترة الاحتلال بين 1978 و2000، حين تشتت مئات آلاف الجنوبيين بفعل الحرب والاحتلال والتهجير المستمر. واليوم، يبدو أن الجنوب يواجه مجددًا خطر التحول إلى مجال هش يخضع لدورات متكررة من الإفراغ وإعادة التنظيم.

من الحدود القانونية إلى الحدود الوظيفية

رغم أن الحدود اللبنانية–الفلسطينية تُعد من أكثر الحدود تثبيتًا في المنطقة منذ اتفاقية بوليه–نيوكومب وإقرارها من قبل عصبة الأمم عام 1924، فإن الوقائع الميدانية الراهنة تشير إلى انتقال الصراع من محاولة تعديل الحدود القانونية إلى فرض حدود وظيفية جديدة داخل الأراضي اللبنانية نفسها.

فالخط الأزرق الذي رُسم عام 2000 كخط للتحقق من الانسحاب، تحوّل لاحقًا إلى أساس لسلسلة من الخطوط والمناطق والإحداثيات الأمنية المتحركة التي يعاد إنتاجها اليوم بصورة أكثر اتساعًا. وبهذا المعنى، لا يجري تعديل الحدود رسميًا، بل إعادة تعريف حدود الاستخدام والسيطرة والنفوذ داخل المجال الجنوبي.

ويُعد هذا التحول من أخطر ما يواجهه الجنوب اللبناني، لأن السيطرة لم تعد مرتبطة بالاحتلال التقليدي المباشر، بل بالقدرة على التحكم بوظيفة المجال نفسه: من يستطيع العودة؟ أين يمكن البناء؟ ما هي المناطق المسموح استخدامها؟ وما هي القطاعات التي تتحول إلى فضاءات محظورة أو خاضعة للرقابة الدائمة؟

التفاوض تحت النار

تكمن خطورة المرحلة الحالية أيضًا في التزامن بين إعادة تشكيل الوقائع الميدانية وبين تصاعد الضغوط السياسية والدبلوماسية على لبنان لدفعه نحو مسار تفاوضي جديد مع إسرائيل، في وقت تتواصل فيه الاعتداءات اليومية على مناطق الجنوب والبقاع، وتتوسع عمليات القصف والاستهداف والإخلاء. ويعكس هذا التزامن محاولة واضحة لربط إعادة تنظيم المجال الجنوبي على الأرض بمسار سياسي–تفاوضي يجري تحت ضغط الميدان واختلال موازين القوى.

وفي هذا السياق، تتكثف المساعي الأميركية لإعادة فتح قنوات التواصل بين لبنان وإسرائيل، في مشهد يعيد إلى الأذهان المناخ الذي أعقب اجتياح عام 1982 حين جرى الانتقال من الاحتلال العسكري الواسع إلى مفاوضات انتهت بتوقيع اتفاق 17 أيار 1983. واليوم، ورغم اختلاف الظروف الإقليمية والدولية، تتجدد محاولات دفع لبنان نحو إعادة تنظيم العلاقة مع إسرائيل تحت عناوين أمنية وسياسية متعددة، مستفيدة من هشاشة الوضع اللبناني والانهيار الاقتصادي والمالي والضغوط الخارجية المتزايدة.

وقد بدأت هذه المساعي عمليًا عبر لقاءات واتصالات على مستويات دبلوماسية مختلفة، شملت اجتماعات في واشنطن على مستوى السفراء، بالتوازي مع ضغوط متزايدة لعقد لقاءات سياسية أوسع والانتقال نحو البحث في «تنظيم العلاقة» بين البلدين. غير أن لبنان الرسمي يربط أي بحث من هذا النوع بوقف الاعتداءات أولًا، والانسحاب من الأراضي اللبنانية، وإنهاء واقع الاحتلال والضغط العسكري، قبل الانتقال إلى أي نقاش سياسي أو تفاوضي حول ترتيبات لاحقة.

وتكشف هذه التطورات أن الوقائع الميدانية لم تعد منفصلة عن المسار السياسي، بل باتت تُستخدم كأدوات ضغط في أي نقاش يتعلق بالحدود أو الأمن أو طبيعة العلاقة بين لبنان وإسرائيل. فكلما اتسعت المنطقة الأمنية بحكم الأمر الواقع وتزايد الإفراغ السكاني، ازدادت قابلية تحويل هذه الوقائع إلى عناصر تفاوضية لاحقة.

وتكمن خطورة المرحلة الحالية في أن الجنوب يواجه، للمرة الجديدة، خطر التحول من مجال مأهول ومنتج ومندمج في المجال الوطني اللبناني إلى فضاء أمني هش تُعاد صياغة وظيفته تحت ضغط الحرب والوقائع الميدانية والضغوط السياسية الخارجية.

جنوب لبنان:  جغرافية الاستنزاف المفتوح

إن ما يواجهه جنوب لبنان اليوم لا يمكن فصله عن مسار تاريخي طويل من الحروب والاحتلالات ومحاولات إعادة تنظيم المجال الحدودي بالقوة. فمن اجتياح 1978 إلى احتلال 1982، ومن «تصفية الحساب» و«عناقيد الغضب» إلى الاعتداءات الراهنة، ظل الجنوب يعيش ضمن دائرة مفتوحة من التدمير والإفراغ وإعادة تشكيل المجال.

غير أن المرحلة الحالية تبدو أكثر خطورة بسبب اتساع نطاق التحولات الجارية، وتداخل البعد الأمني مع الجيوسياسي، وتزامنها مع لحظة انهيار لبناني داخلي عميق. ولذلك فإن مستقبل الجنوب لم يعد يرتبط فقط بوقف العمليات العسكرية، بل بقدرة لبنان على منع تحويل الوقائع الميدانية المؤقتة إلى ترتيبات دائمة تعيد رسم الجغرافيا والسيادة ووظيفة الجنوب لعقود مقبلة.

وفي هذا السياق، يصبح الدفاع عن الجنوب دفاعًا عن المجال الوطني اللبناني نفسه، وعن حق السكان في البقاء داخل أرضهم، وعن الحفاظ على الحدود المعترف بها دوليًا في مواجهة محاولات إعادة تعريفها تدريجيًا عبر القوة والضغط والتفاوض غير المتكافئ.

 

 

 

لبنان في مواجهة التدمير الشامل

 


لبنان في مواجهة التدمير الشامل

تحولات السكان والعمران والاقتصاد (2006–2026(

 

حرب تتجاوز الميدان: من التدمير العسكري إلى إعادة تشكيل الدولة

لم تعد الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان مجرّد مواجهات عسكرية متقطعة أو عمليات ردع حدودية محدودة، بل تحوّلت، كما تكشف الخرائط والبيانات الإحصائية والتقارير الدولية، إلى مسار تدميري متراكم يعيد تشكيل المجال الجغرافي اللبناني في أبعاده السكانية والعمرانية والاقتصادية. فمنذ عدوان تموز 2006، مروراً بتصعيد عام 2024، وصولاً إلى موجة التدمير الكثيف في عام 2026، يتضح أن لبنان يواجه نمطاً متكرراً من الاستهداف يتجاوز الأسباب المعلنة، ليطال الأسس البنيوية للدولة والمجتمع.

وتُظهر المعطيات  الميدانية، أن الحرب لم تعد تستهدف مواقع عسكرية أو بنى تحتية فحسب، بل باتت تطال السكن، وشبكات الخدمات، والاقتصاد المحلي، والبيئة الاجتماعية للمناطق المستهدفة.

وفي ظل التكرار المكاني والزمني لموجات التدمير، يتبدّى أن ما يواجهه لبنان اليوم يتجاوز كونه حرباً تقليدية، ليقترب من مسار إعادة تشكيل تدريجي للمجال الوطني، عبر استنزاف مناطقه الطرفية، والضغط على مراكزه الحضرية، وإضعاف قدرته على إعادة إنتاج توازنه السكاني والعمراني والاقتصادي.

 

أولاًً- من تدمير البنية الى استهداف المجال الجغرافي

عام 2006: استهداف البنية التحتية وتعطيل الاقتصاد الوطني

شكّل عدوان تموز 2006 نقطة تحوّل أساسية في طبيعة الاستهداف، حيث تركزت الضربات على البنية التحتية الحيوية، بما يشمل الجسور والطرق والمطار ومحطات الطاقة والمرافئ. وقد هدفت هذه العمليات إلى شلّ الدولة اللبنانية وتعطيل شبكاتها الحيوية، ما أدى إلى عزل الجنوب عن بقية المناطق وإضعاف الحركة الاقتصادية الداخلية والخارجية.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الخسائر الاقتصادية المباشرة آنذاك تجاوزت 7.5 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الضرر الذي أصاب الاقتصاد الوطني، في ظل تدمير قطاعات الإنتاج والنقل والسياحة. كما ترافقت هذه الخسائر مع كارثة بيئية كبرى نتيجة قصف معمل الجية، ما أدى إلى تسرّب آلاف الأطنان من النفط إلى الساحل اللبناني، مخلفاً تداعيات اقتصادية وبيئية طويلة الأمد.

لكن الأهم أن خرائط 2006 تكشف أن الحرب كانت تستهدف شبكات الدولة، أي البنية التي تتيح لها العمل والاستمرار، ما يعني أن الهدف لم يكن فقط إلحاق الضرر، بل تعطيل الوظيفة الوطنية للبنان.

 

عام 2024: استنزاف الجنوب وتفكيك القرى الحدودية

مع تصاعد الاعتداءات منذ عام 2023، دخل لبنان مرحلة جديدة من الاستهداف، تميّزت بتركيز واضح على القرى الحدودية الجنوبية. وتُظهر البيانات أن نحو 12.753 مبنى تضرر في هذه القرى خلال عام 2024، بينها 8864 مدمّرًا كليًا، مع تركز واضح في بلدات مثل الخيام وكفركلا وميس الجبل وعيتا الشعب.

هذا النمط يعكس انتقالًا من استهداف البنية التحتية إلى استهداف البيئة السكنية نفسها، ما أدى إلى نزوح تدريجي للسكان وإفراغ بعض القرى من سكانها.

وتشير تقارير منظمة الاسكوا في الأمم المتحدة،  إلى أن هذا التصعيد ترافق مع ارتفاع كبير في الخسائر البشرية، حيث: " حصدت الغارات الاسرائيلية  في 23 أيلول 2024 أرواح 569 فرداً، وأصيب 1850 بجروح، ومن بين القتلى 50 طفلاً و 94 امرأة.. وهي من بين الأعلى  في يوم واحد في القرن الحادي والعشرين"، وذلك من أكثر الأحداث دموية في تاريخ لبنان الحديث.

 


عام 2026:  تدمير السكن وإعادة تشكيل الجغرافيا السكانية

بلغت الاعتداءات ذروتها في عام 2026، حيث تُظهر خرائط المجلس الوطني للبحوث العلمية – لبنان، تسجيل نحو 50.424 وحدة سكنية مدمّرة أو متضررة  من 2 آذار حتى 16 نيسان 2026. (منهم 9,909 في قضاء صور، و9,540 في قضاء بنت جبيل، و 9,972 في قضاء النبطية.)، ويعكس هذا الرقم تسارعًا غير مسبوق في وتيرة التدمير، حيث أصبحت الحرب أكثر كثافة وأسرع تأثيرًا.

ويُظهر التوزع الجغرافي للأضرار تركزًا واضحًا في الجنوب والنبطية، مع امتداد نحو الضاحية الجنوبية لبيروت، ما يشير إلى نشوء محور تدميري يربط بين المناطق الحدودية والمجالات الحضرية الكثيفة. كما شهد يوم 8 نيسان 2026، المعروف بـ«الأربعاء الأسود»، سقوط أكثر من 250 شهيدًا في يوم واحد، في سياق تصعيد أدى إلى تجاوز عدد الضحايا 2679 شهيد خلال فترة شهرين منذ 2 آذار وحتى 3 أيار 2026 .

إن هذا النمط من التدمير الواسع، لا يؤدي فقط إلى خسائر بشرية ومادية، بل يساهم في إعادة توزيع السكان قسرًا، حيث يضطر آلاف السكان إلى النزوح نحو مناطق أكثر أمانًا.



 

ثانياً- الجغرافيا المستهدفة ونتائجها البنيوية

 الجنوب والضاحية: محورا الاستنزاف المتكرر

تكشف الخرائط المقارنة بين 2006 و2024 و2026 أن هناك ثباتًا جغرافيًا في مناطق الاستهداف، حيث يتكرر ظهور الجنوب، ولا سيّما الشريط الحدودي، إلى جانب الضاحية الجنوبية لبيروت، كمناطق رئيسية للدمار.

هذا التكرار يشير إلى أن الاعتداءات لا تتسم بالعشوائية، بل تتبع نمطًا جغرافيًا واضحًا يستهدف مناطق محددة، ما يؤدي إلى تحويلها إلى مجالات استنزاف دائم.

 



النزوح وإعادة توزيع السكان

أدت الاعتداءات المتكررة إلى نزوح أكثر من 1.3 مليون شخص، توزّعوا  عبر فترات بين أسر مضيفة ومساكن مؤقتة ومراكز إيواء، والأكثرية في بيوت مستأجرة أو لدى أقارب، ويعكس هذا الواقع تفكك النمط السكني التقليدي، حيث لم يعد السكان قادرين على العودة بسرعة إلى مناطقهم الأصلية، بسبب تدمير المنازل وتضرر البنية المحلية.

ومع استمرار هذا الوضع، يتحول النزوح من حالة مؤقتة إلى تحوّل ديموغرافي طويل الأمد، يزيد الضغوط على المدن، ويعمّق الاختلال  بين المناطق.

 

الخسائر الاقتصادية والتدمير التراكمي   

لا يمكن فصل التدمير العمراني عن آثاره الاقتصادية، حيث تتراكم الخسائر الناتجة عن الاعتداءات فوق أزمة اقتصادية حادة يعيشها لبنان منذ عام 2019. وإذا كانت خسائر 2006 قد تجاوزت 7.5 مليار دولار، فإن كلفة اعادة الاعمار نتيجة الاعتداءات اللاحقة، قد قُدرت بحسب البنك الدولي  بنحو 11 مليار دولار بعد حرب عام 2024،  بينما هي، بحسب تقديرات أولية،  تتراوح بين 20 و 25 مليار لعام  2026،  وهي تضيف أعباء جديدة على اقتصاد منهك أصلًا.

ويؤدي تدمير المساكن والبنية التحتية إلى: تعطيل الأنشطة الاقتصادية المحلية، وتراجع الإنتاج الزراعي في الجنوب، ثم زيادة كلفة إعادة الإعمار، وتفاقم انتشار الفقر والبطالة.  وبالتالي، فإن هذه الاعتداءات لا تدمّر الحاضر فقط، بل تُضعف قدرة لبنان على التعافي في المستقبل.

 

ثالثاً- التداعيات الاستراتيجية بعيدة المدى

 بين العدوان الخارجي والانهيار الداخلي: أزمة وجودية مركبة

في ضوء هذه المعطيات، يظهر لبنان كحالة فريدة تجمع بين التدمير الخارجي والانهيار الداخلي. فالاعتداءات الإسرائيلية لا تحدث في فراغ، بل في سياق دولة تعاني من ضعف مؤسساتي وانهيار اقتصادي، ما يجعل أثرها أكثر عمقًا واستمرارية.

وفي ظل محدودية الاستجابة الدولية، تبدو هذه الاعتداءات وكأنها تجري في سياق مفتوح، يعيد رسم ملامح لبنان الجغرافية والسكانية تدريجيًا، من خلال تدمير الجنوب، والضغط على المدن، وإضعاف استقرار السكان.

 

 

          أخيراً، تكشف المعطيات المدعومة بالخرائط والبيانات والتقارير الدولية أن الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان قد تحوّلت إلى مسار تراكمي يتجاوز الخسائر المباشرة، ليطال البنية السكانية والعمرانية والاقتصادية للدولة، عبر تدمير المساكن والبنى التحتية ودفع السكان نحو النزوح الداخلي.

وفي ظل تزامن هذا المسار مع انهيار اقتصادي ومؤسساتي داخلي غير مسبوق، يصبح أثر الاعتداءات أكثر عمقاً من مجرد التدمير المادي، إذ يتحول إلى عامل مضاعِف لإعادة تشكيل لبنان من الداخل، عبر إضعاف هوامشه الطرفية، وزيادة الضغط على مراكزه الحضرية، وتعميق الاختلال بين مناطقه.

وعليه، فإن لبنان لا يواجه اليوم حرباً تقليدية فحسب، بل يواجه مساراً مفتوحاً لإعادة رسم جغرافيته الداخلية تحت وطأة التدمير الخارجي والهشاشة البنيوية الداخلية، بما يطرح تحديات استراتيجية تتصل ليس فقط بإعادة الإعمار، بل بإعادة التوازن إلى الدولة والمجال الوطني على المدى الطويل.مقالة نهائية

 

د. علي فاعور: رئيس مركز السكان والتنمية وعضو المجلس الوطني للبحوث العلمية

 

Tuesday, April 21, 2026

من الليطاني إلى الزهراني… خرائط التهجير تعيد رسم الجنوب

 هل يعود لبنان إلى القبضة الإسرائيلية؟

من الليطاني إلى الزهرانيخرائط التهجير تعيد رسم الجنوب

 

د. علي فاعور: رئيس مركز السكان والتنمية، وعضو المجلس الوطني للبحوث العلمية.

      مع اتساع رقعة الغارات الإسرائيلية وصدور إنذارات بإخلاء مناطق تمتد من جنوب الليطاني إلى ما بعد الزهراني، لا يبدو ما يجري مجرد تصعيد عسكري عابر. فالخرائط الميدانية تكشف نمطًا متدرجًا لإفراغ القرى الحدودية من سكانها (الخريطة المرفقة)، في مشهد يعيد إلى الأذهان تجربة 1982، ولكن بأدوات مختلفة. وبين أرقام تتحدث عن احتمال السيطرة على ما يقارب خُمس مساحة لبنان، وسوابق تاريخية وصلت إلى ثلثه، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل يُعاد احتلال الجنوب اللبناني اليوم كمنطقة عازلة بحكم الأمر الواقع؟.



أولاً: من تصعيد عسكري إلى إعادة رسم الجغرافيا

عام 1982 اجتاحت إسرائيل جنوب لبنان ووصلت إلى العاصمة بيروت، وبعد سنتين على الاحتلال، نشرت صحيفة «السفير» في 4 حزيران 1984 مقالة لي (د. علي فاعور)، كتبتها بعنوان: «ثلث الوطن في القبضة الإسرائيلية». اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، يعود السؤال نفسه في ظل تصعيد عسكري واسع: هل نحن أمام إعادة إنتاج هذا المشهد؟..

تشهد الساحة اللبنانية تصعيدًا يتجاوز طبيعته حدود الرد العسكري الظرفي، مع تكثيف الغارات وصدور إنذارات متكررة بإخلاء مناطق تمتد من جنوب نهر الليطاني وصولًا إلى ما بعد نهر الزهراني، إضافة إلى استهداف الضاحية الجنوبية. هذا التوسع الجغرافي في العمليات يترافق مع موجات نزوح واسعة، ما يشير إلى محاولة تتجاوز العمل العسكري نحو إعادة تشكيل المجال الجغرافي عبر تفريغه من سكانه.

إن ما يظهر ميدانيًا لا يعكس مجرد عمليات عسكرية متفرقة، بل نمطًا متدرجًا يبدأ من الشريط الحدودي ويتوسع نحو الداخل، في اتجاه خلق فراغ سكاني واسع على طول الحدود الجنوبية. وتكشف الخرائط السكانية أن قرى مثل عيتا الشعب، رامية، يارون، مارون الراس،عيترون، بليدا، ميس الجبل، حولا، العديسة، كفركلا، الطيبة، الخيام والوزاني، أصبحت شبه خالية من سكانها، في حين تتراجع نسب النزوح تدريجيًا في المناطق الأبعد مثل بنت جبيل، وصولًا إلى نزوح  نسبي في صور والنبطية.

هذا التدرج لا يبدو عشوائيًا، بل يعكس دينامية واضحة لإفراغ قرى وبلدات الشريط الحدودي، ما يطرح فرضية إنشاء منطقة أمنية عازلة فعلية، ولكن عبر التهجير والنزوح بدل الاحتلال المباشر.

ثانياً: الجذور التاريخية للأطماع في الأرض والمياه

لا يمكن فهم ما يجري اليوم بمعزل عن جذوره التاريخية. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، ارتبط المشروع الصهيوني بتصورات جغرافية تتجاوز حدود فلسطين، وتشمل مناطق من جنوب لبنان، خاصة تلك الغنية بالموارد المائية.

بدأت هذه التوجهات بمحاولات شراء الأراضي في مناطق الحولة والحدود اللبنانية منذ تسعينيات القرن التاسع عشر، مستهدفة الأراضي الزراعية الخصبة ومصادر المياه. ومع ترسيم الحدود عام 1923 خلال الانتدابين الفرنسي والبريطاني، جرى اقتطاع عدد من القرى والأراضي التي كانت ضمن المجال اللبناني وإلحاقها بفلسطين، خاصة في سهل الحولة، ما أدى إلى خسارة مساحات استراتيجية.

وقد أكد قادة الحركة الصهيونية هذا التوجه بوضوح. ففي مذكرة قُدمت إلى مؤتمر السلام في باريس عام 1919، شدد حاييم وايزمان على أن «المستقبل الاقتصادي الكامل لفلسطين يعتمد على إمدادات المياه... من نهر الليطاني»، ما يعكس مركزية البعد المائي في التفكير الاستراتيجي. كما عبّر دافيد بن غوريون عام 1948 عن رؤية توسعية تشمل تفكيك البيئة الإقليمية المحيطة، بما فيها لبنان.

وتكرّست هذه الأطماع عمليًا عبر سلسلة من الاعتداءات، من عمليات 1967 في منطقة العرقوب، إلى اجتياح 1978 وإنشاء ما سُمّي «الحزام الأمني»، وصولًا إلى الاجتياح الشامل عام 1982، رغم وجود حدود دولية معترف بها بموجب اتفاق الهدنة عام 1949.

ثالثاً: بين 1982 واليوم… من الاحتلال المباشر إلى التهجير المنهجي

يشكّل اجتياح 1982 نموذجًا واضحًا لفهم ما يجري اليوم. فقد بدأت العمليات في 4 حزيران 1982 بغارات جوية، تلتها عملية برية واسعة في 6 حزيران، أدت خلال أيام إلى السيطرة على مدن رئيسية مثل صور والنبطية وصيدا، والتقدم نحو الشوف وعاليه، وصولًا إلى بيروت.

وقد بلغت مساحة الأراضي المحتلة نحو 3100 كيلومتر مربع، أي ما يقارب ثلث مساحة لبنان، وأُخضع نحو ربع السكان للسيطرة العسكرية. كما أُنشئ «الشريط الأمني» الذي امتد حتى نهر الأولي، وضم عشرات القرى، حيث تم تهجير مئات آلاف السكان واعتماد سياسة الأرض المحروقة لإفراغ الجنوب.

اليوم، يتكرر المشهد، ولكن بأدوات مختلفة. فبدل الاحتلال المباشر، يتم اعتماد نمط يقوم على القصف المكثف والتهديد بالإخلاء، ما يؤدي إلى نتائج مشابهة من حيث تدمير القرى والمدن وتفريغ الأرض من سكانها. وتشير التقديرات إلى أن نطاق العمليات قد يمتد ما بعد نهر الليطاني حتى نهر الزهراني والأولي،  أي نحو 2000 كيلومتر مربع، ما يعادل حوالي 19% من مساحة لبنان ، وتشمل مجمل مساحة محافظتي الجنوب والنبطية، والبالغ عدد سكانها المقيمين نحو 800 ألف نسمة من اللبنانيين، يضاف اليهم نحو 350 ألف نسمة من الفلسطينيين والسوريين وغيرهم.

غير أن خطورة هذا الرقم لا تكمن في حجمه فقط، بل في قابليته للتوسع. فالتجربة التاريخية تُظهر أن الاحتلال الإسرائيلي في 1982 لم يحدث دفعة واحدة، بل بدأ من الجنوب وتوسع تدريجيًا نحو العمق. وعليه، فإن الحديث عن نطاق جغرافي محدود اليوم قد يشكّل مرحلة أولى ضمن مسار تصاعدي يعيد إنتاج نموذج التوسع السابق، ولكن بأساليب أقل كلفة عسكريًا.

رابعاً: الجنوب بين الفراغ السكاني والصمود التاريخي

إن ما يجري اليوم في جنوب لبنان لا يمكن فصله عن البعد الجيوسياسي الأوسع، حيث يتحوّل التهجير من نتيجة للحرب إلى أداة لإعادة تشكيل المجال الجغرافي. فإفراغ القرى الحدودية يخلق منطقة عازلة فعلية، ويحوّل الأرض إلى مجال عسكري مفتوح، يسهل التحكم به دون الحاجة إلى وجود دائم.

ويتقاطع هذا الواقع مع الخطاب السياسي الإسرائيلي الذي يركز على «إبعاد التهديد شمالًا»، ما يعزز فرضية الانتقال من السيطرة العسكرية المباشرة إلى إعادة تشكيل المجال السكاني كبديل استراتيجي.

غير أن التجربة التاريخية في لبنان، وخاصة خلال فترة الاحتلال بين 1982 و2000، أظهرت أن محاولات إفراغ الجنوب لم تنجح في تثبيت واقع دائم. فقد أدت المقاومة إلى تغيير ميزان القوى، وأجبرت إسرائيل على الانسحاب في 24 أيار 2000، في محطة مفصلية أكدت أن العلاقة بين الإنسان والأرض في الجنوب تتجاوز البعد المادي لتصبح عنصرًا من عناصر الصمود في مقاومة الاحتلال.

اليوم، تتكرر معادلة النزوح والتهجير الجماعي، ولكن في ظروف أكثر تعقيدًا أمام صمود المقاومة لمنع التقدم واحتلال الأرض، وفي مواجهة الانقسامات الداخلية حيث يهدد تأخر إعادة الإعمار بتحويل النزوح المؤقت إلى حالة طويلة الأمد. وهنا تكمن الخطورة الكبيرة، إذ يصبح الفراغ السكاني مدخلًا لإعادة رسم الواقع الجغرافي.

إن جغرافية الجنوب، الممتدة بين الليطاني والحاصباني، والزهراني والأولي (الخريطة المرفقة)، ليست مجرد مساحة أرض، بل هي مجال حيوي يرتبط بالمياه والزراعة والصمود والتمسك بالأرض. وبرغم كل موجات النزوح والتهجير والهجرة، يبقى الارتباط بين الإنسان وأرضه عاملًا حاسمًا في منع العدوان ومقاومة الاحتلال.

بناءً على ذلك، فإن ما يجري اليوم لا يمكن اعتباره تصعيدًا عابرًا، بل هو جزء من مسار تاريخي طويل من السعي إلى السيطرة على الأرض والمياه والموارد. وإذا كانت الأدوات قد تغيّرت، فإن الأهداف الأساسية تبدو ثابتة إلى حد كبير.

وهنا يعود السؤال المركزي:  جنوب بلا سكان؟ كيف يُعاد رسم حدود لبنان تحت النار.. وهل يعود لبنان إلى الوقوع في القبضة الإسرائيلية؟ وهل يواجه لبنان خطر فقدان خمس أراضيه؟  

الإجابة لا تزال مفتوحة، لكنها تتوقف على دور المقاومة في منع تحوّل الاحتلال إلى واقع دائم، وعلى دور لبنان لتأمين الدعم الدولي والحفاظ على تماسك العلاقة بين الأرض وسكانها، في مواجهة الأطماع الصهيونية ومشاريع أثبت التاريخ فشلها في افراغ الجنوب واعادة تشكيل الجعرافيا، وعجزها أمام ظاهرة الارتباط بين الانسان والارض.