الجمعة، 23 أكتوبر 2026

الاغتراب اللبناني في السويد: من موجات الهجرة إلى التحولات الديموغرافية وجغرافية الانتشار (١٩٩٠–٢٠٢٥)

 

الاغتراب اللبناني في السويد

من موجات الهجرة إلى التحولات الديموغرافية وجغرافية الانتشار (١٩٩٠–٢٠٢٥)

إعداد: د. علي فاعور  |  ٢3 تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٦

مقدمة: من الهجرة إلى مجتمع متعدد الأجيال

تكوّن الوجود اللبناني في السويد عبر موجات متعاقبة ارتبطت بالحرب اللبنانية، ثم بالاستقرار العائلي ولمّ الشمل، وأخيرًا بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدها لبنان. ومع امتداد الإقامة عبر العقود، لم يعد الوجود المرتبط بلبنان مقتصرًا على الوافدين أنفسهم، بل أصبح يضم أبناءً مولودين في السويد وأسرًا متعددة الخلفيات العائلية. وتدرس هذه الورقة تطوره التاريخي وحجمه وتوزيعه المكاني وتعاقب أجياله، قبل مناقشة حدود ما تسمح البيانات باستنتاجه بشأن رأس المال البشري والاندماج.

تعتمد الدراسة تقديرات الأمم المتحدة (UN DESA) لرصيد المهاجرين في سنوات مختارة بين ١٩٩٠ و٢٠٢٤، وبيانات هيئة الإحصاء السويدية (SCB) بحسب بلد الميلاد والجنس والبلدية والخلفية العائلية حتى ٢٠٢٥. والمولودون في لبنان ليسوا مرادفًا لحاملي الجنسية اللبنانية؛ كذلك لا يشمل التعريف العائلي المستخدم كل الأصول اللبنانية الممتدة إلى أجيال أبعد. ولا تُدمج سلسلتا UN DESA وSCB كما لو أنهما سلسلة واحدة.

الخميس، 22 أكتوبر 2026

النزوح الجنوبي في مواجهة الحرب والتدمير: تحولات جغرافية وديموغرافية واسعة


النزوح الجنوبي في مواجهة الحرب والتدمير

تحولات جغرافية وديموغرافية واسعة

إعداد: د. علي فاعور: رئيس مركز السكان والتنمية وعضو المجلس الوطني للبحوث العلمية.
دراسة معدّة لمحاضرة في المجلس الثقافي للبنان الجنوبي. الخميس – 22 تشرين الأول 2026..

 

مقدمة: الحرب واعادة تشكيل المجال السكاني في جنوب لبنان

لم تكن الحروب المتعاقبة التي شهدها جنوب لبنان مجرد أحداث عسكرية تركت آثارها على المباني والبنية التحتية والأراضي الزراعية، بل شكّلت أيضًا عوامل مؤثرة في حركة السكان وتوزيعهم الجغرافي، وفي العلاقة بين القرية والمدينة، وبين الإقامة المحلية والهجرة الخارجية. وقد تراكمت هذه التأثيرات على مدى عقود، في منطقة عرفت موجات متكررة من التهجير والنزوح والعودة غير المكتملة.

غير أن الفترة 2024–2026 شهدت تحولًا نوعيًا في حجم الأزمة واتساعها. فقد تجاوز النزوح القرى الحدودية ليشمل مناطق واسعة من محافظتَي الجنوب والنبطية( خريطة جنوب لبنان المرفقة)، وامتدت حركة التهجير إلى البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، بينما تحولت مناطق أخرى إلى مراكز لاستقبال النازحين. وبهذا المعنى، انتقلت الأزمة من نطاق جغرافي محدود إلى إعادة توزيع سكاني واسعة داخل لبنان.



وجاءت الحرب فوق أزمات اقتصادية واجتماعية وديموغرافية متراكمة منذ عام 2019، اتسمت بتراجع القدرة الشرائية واتساع الهجرة وتآكل المدخرات وضعف الخدمات. ولذلك لم تكن الأسر النازحة تواجه خسارة المنزل وحده، بل فقدانًا متزامنًا لمصادر الدخل والعمل والتعليم والاستقرار الاجتماعي.

وتنطلق هذه الدراسة من ثلاثة أسئلة مترابطة: كيف اتسع النزوح وتطور خلال الحرب؟ وكيف أعاد توزيع السكان بين مناطق المغادرة والاستقبال؟ وهل يمكن أن يتحول النزوح المتكرر، بفعل استمرار التدمير وتعطل مقومات الحياة، إلى تغيرات طويلة الأمد في البنية الديموغرافية لجنوب لبنان؟

وتعتمد الدراسة على بيانات تتبع النزوح الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة، وتقييمات الأضرار المكانية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمجلس الوطني للبحوث العلمية، إلى جانب التقارير الاقتصادية والاجتماعية المتاحة. وهي تميز بين السكان النازحين والعائدين والمقيمين فعليًا، وبين المؤشرات المرصودة والاحتمالات المستقبلية. كما أن الأرقام الوطنية للنزوح تُستخدم لتحديد حجم الأزمة، بينما يبقى سكان الجنوب اللبنانيون ومجتمعاتهم المحلية محور التحليل الديموغرافي، مع التنبيه إلى أن بعض قواعد بيانات النزوح لا تفصل جميع الأعداد بحسب الجنسية


أولًا – الحرب والنزوح: من التهجير الحدودي إلى النزوح الجماعي

بدأت موجة النزوح الحديثة بصورة تدريجية في القرى الحدودية، ثم اتسعت مع العمليات العسكرية خلال عام 2024. ولم تكن المناطق التي تعرضت للتدمير في تلك المرحلة قد استعادت كامل قدرتها السكنية والاقتصادية قبل موجة الحرب الجديدة في آذار 2026، الأمر الذي جعل الأزمة الأخيرة امتدادًا لخسائر سابقة ومضاعفًا لها.

وبلغ النزوح ذروته في 13 نيسان 2026، عندما سجلت مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة 1,208,869 نازحًا داخليًا. وتكشف ضخامة هذا العدد عن سرعة انتقال الأزمة من نزوح محلي إلى تهجير جماعي شمل مناطق واسعة من البلاد.

ومع تراجع مستوى العمليات العسكرية بدأت حركة عودة متفاوتة. ففي 12 آب 2026، سجلت الدراسة الأساسية 351,558 شخصًا لا يزالون نازحين، مقابل 863,172 شخصًا بدأوا العودة إلى مجتمعاتهم. ثم أظهرت بيانات 29 أيلول انخفاض عدد النازحين إلى 329,686 شخصًا، وارتفاع عدد العائدين المسجلين إلى 877,203 شخصًا.

وتعني هذه الأرقام أن عدد النازحين المتبقين في نهاية أيلول انخفض بنحو 72.7% قياسًا بذروة 13 نيسان. لكن هذا الانخفاض لا يعني بالضرورة أن جميع من غادروا حالة النزوح عادوا إلى مساكن صالحة للإقامة، أو استعادوا أعمالهم ومصادر رزقهم.

والواقع أن استمرار وجود نحو 330 ألف نازح بعد أشهر من الذروة يشير إلى انتقال الأزمة من مرحلة إدارة النزوح الجماعي إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، تتمثل في صعوبة العودة المستقرة إلى المناطق المتضررة.

وتبرز هنا نتيجة أساسية: لا يجوز قياس نهاية أزمة النزوح بانخفاض عدد النازحين وحده، بل بمدى استعادة السكان قدرتهم على الإقامة والعمل والاستمرار في مناطقهم الأصلية.

ثانيًا – جغرافية النزوح: إعادة توزيع السكان وتفاوت المناطق

تتميز أزمة النزوح الأخيرة باتساعها الجغرافي، وبالتفاوت الكبير بين مناطق المنشأ ومناطق الاستقبال. فقد انطلقت موجات التهجير الأساسية من الجنوب والنبطية والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، بينما توزعت الأسر النازحة على بيروت وجبل لبنان وصيدا ومناطق أخرى.

وتشير الدراسة الأساسية، استنادًا إلى بيانات المنظمة الدولية للهجرة في نهاية حزيران 2026، إلى أن 93% من حركات النزوح المرصودة تجاوزت حدود المحافظة الواحدة. ويكشف هذا المؤشر أن الأزمة لم تكن مجرد انتقال بين بلدات متجاورة، بل أدت إلى حركة واسعة بين المحافظات وإلى تغيرات مؤقتة في التوزيع الجغرافي للسكان (راجع: لبنان في مواجهة أزمة النزوح والتهجير).

غير أن خريطة النزوح المتبقي تقدم صورة أكثر دلالة من الخريطة الأولى للتهجير. ففي 12 آب 2026، كان نحو 94% من النازحين الذين لم يعودوا ينحدرون من خمسة أقضية: بنت جبيل 28%، والنبطية 27%، وصور 20%، وبعبدا 11%، ومرجعيون 8%.

وبذلك استحوذت أقضية بنت جبيل والنبطية وصور وحدها على ثلاثة أرباع النازحين المتبقين تقريبًا في ذلك التاريخ. وهذا التركز يوضح أن تراجع النزوح على المستوى الوطني لم يكن متساويًا بين المناطق، وأن بعض الأقضية واجهت صعوبات أشد في استعادة سكانها.

أما على مستوى الاستقبال، فقد توزع النازحون المتبقون في آب على بيروت وصيدا والشوف وصور وعاليه بنسب متفاوتة، بما يعكس استمرار الضغط على أسواق الإيجارات والخدمات والمجتمعات المضيفة.

وتبرز من هذه المعطيات جغرافيا مزدوجة: مناطق ضمن الشريط الحدودي المحتل وتضم نحو 61 قرية ومساحتها 700 كم2)، تليها مناطق فقدت جزءًا كبيرًا من سكانها خلال الحرب، ومناطق استقبلت أعدادًا إضافية من السكان لفترات غير محددة. لكن هذه الحركة لا تعني تلقائيًا تغيرًا دائمًا في الكثافات السكانية، إذ قد تحتفظ الأسر بعلاقاتها السكنية والاقتصادية بمناطقها الأصلية رغم استمرار نزوحها.

ومن هنا ينبغي تطوير المقارنات من مستوى المحافظة إلى القضاء والبلدة، وربط بيانات النازحين والعائدين بمواقع المساكن المدمرة والخدمات المتعطلة. فالمتوسط الوطني قد يخفي تفاوتات واسعة بين قرية عاد معظم سكانها وأخرى ما زالت عاجزة عن استقبالهم.

ثالثًا – التدمير واستنزاف مقومات الحياة

تُعد خسارة المساكن من أهم العوامل التي تفسر استمرار النزوح بعد تراجع العمليات العسكرية. غير أن التدمير لم يقتصر على المنازل، بل امتد إلى الطرق والمرافق العامة والأنشطة الاقتصادية والأراضي الزراعية والخدمات الأساسية.

ويبين تقييم أضرار المباني الذي أعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتنسيق مع المجلس الوطني للبحوث العلمية، اعتمادًا على صور فضائية حتى 29 نيسان 2026، أن 11,095 مبنى دُمرت كليًا في المجال الجغرافي المشمول بالمسح في جنوب لبنان، بما أثر في 17,891 وحدة سكنية. كما سُجلت أضرار جزئية في 2,242 مبنى، وأضرار طفيفة في 9,311 مبنى.

وبلغت القيمة المقدرة للأضرار المباشرة في المباني نحو 1.38 مليار دولار، بينما قُدّر حجم الركام بنحو 3.1 ملايين متر مكعب. ولا تشمل هذه القيمة جميع الخسائر الاقتصادية أو أضرار البنية التحتية، كما أن التقييم يمثل لقطة زمنية محددة ولا يغطي تلقائيًا جميع أضرار الحرب منذ عام 2024.

وتظهر المقارنة المكانية تفاوتًا كبيرًا بين البلدات (الرسم البياني المرفق1). فقد سجل التقييم أعدادًا مرتفعة من المباني المدمرة كليًا في الخيام، وعيترون وبنت جبيل وميس الجبل والطيبة، إلى جانب بلدات أخرى. وتدل هذه الفروق على اختلاف حجم الأعباء العمرانية لإعادة الإعمار، لكنها لا تكفي وحدها لترتيب البلدات بحسب نسبة التدمير، ما لم تُقارن بأعداد مبانيها قبل الحرب.

أما اجتماعيًا، فقد أدى فقدان السكن إلى انتقال الأعباء نحو الإيجارات والأسر المضيفة. وفي 29 أيلول 2026، كان 315,409 نازحين يقيمون خارج مراكز الإيواء الجماعية، مقابل 14,277 شخصًا داخل 154 مركزًا. أي إن نحو 95.7% من النازحين المتبقين كانوا خارج المراكز الجماعية.

وهذا يعني أن القسم الأكبر من أزمة النزوح أصبح موزعًا بين مساكن مستأجرة وإقامات مؤقتة وأسر مضيفة وأشكال أخرى من السكن خارج المراكز. ولذلك فإن انخفاض عدد مراكز الإيواء لا يمكن اعتباره مؤشرًا كافيًا على انحسار الأعباء الاجتماعية.

وتتجاوز آثار النزوح المجال السكني إلى فقدان العمل وتعطل الزراعة وانقطاع التعليم وضغوط الرعاية الصحية، وهي خسائر تتراكم داخل الأسرة الواحدة. فعندما يفقد السكان المسكن ومصدر الدخل والخدمات في الوقت نفسه، تتراجع قدرتهم على العودة حتى لو أصبح الوصول إلى القرية ممكنًا.

وهكذا يصبح التدمير عاملًا مؤثرًا في حركة السكان، لا نتيجة مادية للحرب فقط. فكلما طالت مدة تعطّل مقومات الحياة، ارتفعت احتمالات امتداد النزوح وتراجع قدرة المجتمعات المحلية على استعادة سكانها.



رابعًا – التحولات الديموغرافية: مخاطر إفراغ القرى وتغيّر البنية السكانية

تطرح أزمة النزوح الجنوبي أسئلة ديموغرافية تتجاوز حجم الحركة السكانية المباشرة. فالنزوح المتكرر قد يؤثر في تركيب الأسر وتوزيع الفئات العمرية وحركة الشباب، وفي العلاقة بين مكان القيد ومكان الإقامة الفعلية.

وقد عرف الجنوب تاريخيًا انتقالات سكانية ارتبطت بالحروب والهجرة الاقتصادية والتفاوت التنموي. لكن خصوصية الأزمة الحالية تكمن في تزامن النزوح الواسع مع تدمير المساكن وتعطل الخدمات واستمرار الضغوط الاقتصادية التي تشجع بعض الأسر على البحث عن بدائل سكنية ومهنية خارج مناطقها.

وتتمثل المخاطر الديموغرافية المحتملة في ثلاثة اتجاهات.

§        أولها، انتقال بعض الأسر من الإقامة المؤقتة في مناطق الاستقبال إلى إقامة أطول أمدًا، ولا سيما عندما تتعذر إعادة بناء المساكن أو استئناف العمل. وقد يؤدي ذلك إلى اتساع الفجوة بين عدد المسجلين في القرى وعدد المقيمين فيها فعليًا.

§        وثانيها، احتمال تسارع هجرة الشباب وأصحاب المهارات، إذا ترافقت خسارة العمل مع استمرار غياب فرص التعافي. وهذا الاحتمال مهم لأن الفئات الشابة والناشطة اقتصاديًا تمثل عنصرًا أساسيًا في تجدد المجتمع المحلي واستمرار وظائفه الإنتاجية.

§        وثالثها، احتمال اختلال التركيب العمري لبعض القرى، إذا تفاوتت قدرة الفئات السكانية على العودة، أو بقي كبار السن في مناطق المنشأ بينما استقرت أسر شابة في مناطق أخرى.

لكن هذه الاحتمالات لا ينبغي تقديمها بوصفها نتائج مثبتة. فبيانات النزوح الحالية تقيس بصورة أساسية أعداد النازحين والعائدين وتوزيعهم، ولا توفر وحدها سلسلة متكاملة لقياس تغير التركيب العمري أو حجم الهجرة الخارجية الناتجة مباشرة عن الحرب.

ولذلك تحتاج الدراسة الديموغرافية إلى ربط بيانات النزوح بإحصاءات السكان المقيمين، والسجلات الحيوية، وبيانات الأسر، والهجرة، والتعليم والعمل، على مستوى البلدة والقضاء.

وتكمن الخطورة الأساسية في أن استمرار النزوح، حتى لو شمل نسبة محدودة من سكان بعض القرى، قد يترك آثارًا غير متناسبة مع حجمه العددي إذا تركز في الفئات الشابة والأسر المنتجة. فالمسألة لا تتعلق بعدد السكان فقط، بل بقدرة المجتمع المحلي على التجدد والاستمرار.

 

 النزوح الجنوبي ومخاطر إعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية للبنان

لم تعد تداعيات النزوح الواسع من جنوب لبنان خلال عامي 2024 و2026 محصورة في الخسائر الإنسانية والمادية المباشرة، بل امتدت إلى إعادة توزيع السكان بين مناطق المغادرة والاستقبال، وإلى طرح أسئلة جديدة حول مستقبل الإقامة والاستقرار في القرى الجنوبية. غير أن التحليل الديموغرافي يقتضي التمييز بين إعادة التوزيع الجغرافي المؤقتة، التي تثبتها بيانات النزوح، وبين التغيرات السكانية الدائمة التي تحتاج إلى قياس مستقل.

وتكشف بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن عدد النازحين داخليًا بلغ مستويات تجاوزت 1.2 مليون شخص في ذروة الأزمة خلال نيسان 2026، قبل أن ينخفض إلى 329,686 شخصًا في 29 أيلول، مقابل تسجيل 877,203 عائدين إلى مجتمعاتهم. ويعكس هذا التحول اتساع حركة العودة، لكنه يكشف أيضًا استمرار نزوح مئات آلاف السكان بعد أشهر من ذروة الحرب. كما أن بقاء نحو 95.7% من النازحين خارج مراكز الإيواء الجماعية يدل على أن الأزمة لم تعد تتمركز في المؤسسات الإغاثية وحدها، بل امتدت إلى المساكن المستأجرة والأسر المضيفة وأشكال الإقامة المؤقتة داخل المدن والبلدات.

وعلى المستوى الجغرافي، أدى النزوح إلى توسيع الفجوة بين مناطق المنشأ ومناطق الإقامة الفعلية. فقد استقبلت بيروت وجبل لبنان وصيدا ومناطق أخرى أعدادًا كبيرة من النازحين، في حين ظلت بعض الأقضية الجنوبية تسجل صعوبات أكبر في العودة. وتبرز هنا أهمية المقارنة بين عدد السكان المسجلين في القرى وعدد المقيمين فيها فعليًا، لأن استمرار هذا التباعد قد يشير إلى تغير في أنماط الاستقرار المكاني، وإن لم يثبت بعد حدوث انتقال دائم.

وتتضاعف خطورة هذه التحولات عندما ترتبط بالتدمير الواسع للمساكن ومصادر الرزق. فقد وثق تقييم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمجلس الوطني للبحوث العلمية تدمير أكثر من 11 ألف مبنى كليًا ضمن النطاق الجنوبي الذي شمله المسح حتى نيسان 2026، وتأثر عشرات آلاف الوحدات السكنية بدرجات مختلفة. ولا يمثل هذا التدمير خسارة عمرانية فقط، بل عاملًا قد يطيل مدة النزوح ويضعف قدرة القرى على استعادة سكانها.

أما ديموغرافيًا، فتتمثل المخاطر الأبعد مدى في احتمال انتقال بعض الأسر إلى إقامة مستقرة خارج قراها، وتسارع هجرة الشباب وأصحاب المهارات، واختلال التوازن بين الفئات العمرية إذا تفاوتت قدرتها على العودة. وقد تترتب على هذه العمليات آثار في حجم الأسر والنشاط الاقتصادي والتجدد السكاني، خصوصًا في القرى الحدودية التي تعتمد على شبكات محلية مترابطة من السكن والزراعة والعمل والخدمات.

وفي مناطق الاستقبال، يمكن أن يؤدي استمرار النزوح إلى ضغوط إضافية على الإيجارات والبنية التحتية والمدارس والخدمات الصحية وسوق العمل. كما قد تنشأ توترات اجتماعية مرتبطة بتوزيع الموارد وتفاوت القدرات الاقتصادية.

 لكن الحديث عن تغير الأوزان الطائفية أو إعادة رسم الهوية الديموغرافية للمناطق يظل فرضية تحتاج إلى بيانات موثقة عن السكان اللبنانيين المقيمين، وتركيبهم العمري والاجتماعي، ومدد إقامتهم، ولا يمكن استخلاصه من أعداد النازحين وحدها.

وتقود هذه النتائج إلى استنتاج أساسي: إن الخطر الديموغرافي الأكبر لا يتمثل في حركة النزوح بحد ذاتها، بل في استمرار العوامل التي تمنع تحول العودة إلى استقرار مستدام. فكلما طال غياب المسكن والعمل والخدمات والأمان، ارتفعت احتمالات تحول النزوح المؤقت إلى إعادة توزيع سكاني طويلة الأمد، قد تترك آثارًا عميقة في جغرافية الجنوب وتركيبه السكاني.

وعليه، فإن حماية الاستقرار الديموغرافي في جنوب لبنان لا تتحقق بمجرد تسجيل عودة السكان، بل بإعادة بناء شروط بقائهم واستمرار مجتمعاتهم المحلية. ويصبح قياس التعافي مرتبطًا بنسبة الأسر التي استعادت إقامتها الفعلية، وبعودة الفئات الشابة والناشطة اقتصاديًا، واستعادة المدارس والخدمات والعمل والأرض الزراعية، لا بالأعداد الإجمالية للعائدين فقط.

كما لا تتحدد مخاطر التحول الديموغرافي في جنوب لبنان بحجم النزوح وحده، بل تتأثر أيضًا بقدرة المؤسسات على حماية النازحين وتأمين شروط عودتهم. فقد كشفت أزمة 2026 عن فجوة واسعة بين حجم الاحتياجات وإمكانات الاستجابة، وعن اعتماد قسم كبير من الأسر على حلول سكنية واجتماعية مؤقتة.  وفي ظل استمرار التدمير وتعطّل الخدمات ومصادر الرزق، يمكن أن تتحول هذه الحلول تدريجيًا إلى أنماط إقامة أطول أمدًا . وهنا تتداخل الهشاشة الاجتماعية مع الهشاشة الجغرافية والديموغرافية، خصوصًا في القرى الحدودية الأكثر تضررًا. غير أن إثبات تغير دائم في الخريطة السكانية يتطلب متابعة ميدانية لأعداد المقيمين الفعليين، والتركيب العمري للأسر، وحركة الشباب، ومدد الإقامة خارج مناطق المنشأ.

خامسًا – من العودة إلى الاستقرار: مستقبل الإنسان والأرض

تؤكد تجربة النزوح الأخيرة ضرورة التمييز بين العودة إلى المكان، والعودة إلى مسكن صالح، والعودة إلى حياة مستقرة. فقد يستطيع السكان الوصول إلى قراهم دون أن يتمكنوا من الإقامة فيها بصورة دائمة، نتيجة الدمار أو انقطاع الخدمات أو استمرار المخاطر الأمنية أو فقدان مصادر الرزق.

وتبرز أهمية هذا التمييز في القرى الحدودية، حيث تتداخل قيود الحركة والأضرار العمرانية وتعطل النشاط الزراعي والاقتصادي. كما تظهر في التجارب الميدانية للعودة التدريجية، ومنها زوطر الغربية، أن تخفيف القيود وإتاحة الوصول لا يكفيان وحدهما لضمان استقرار السكان.

ومن هنا ينبغي أن ترتبط إعادة الإعمار ببرنامج لاستعادة وظائف القرى، لا بإصلاح المباني وحدها. ويشمل ذلك تأمين السلامة وإزالة المخاطر والركام، وإصلاح شبكات المياه والكهرباء والطرق، وإعادة فتح المدارس والمراكز الصحية، وتأهيل الأراضي الزراعية ودعم العمل والإنتاج المحلي.

كما تبرز أهمية التخطيط على مستوى مجموعات القرى والأقضية، بحيث تُستعاد الخدمات والمرافق المشتركة بصورة متكاملة، مع مراعاة التفاوت بين المناطق الأكثر تدميرًا والمناطق القادرة على استيعاب عودة أسرع.

ويمكن اعتماد مجموعة من المؤشرات لقياس التعافي، منها نسبة الأسر التي استعادت إقامة فعلية مستقرة، ونسبة المساكن الصالحة للسكن، وعودة المدارس والخدمات، واستئناف النشاط الاقتصادي والزراعي، وقدرة الفئات الشابة على البقاء والعمل في مناطقها.

وتبقى هذه المؤشرات بحاجة إلى قواعد بيانات ميدانية موحدة ومحدثة. لكنها توفر إطارًا أكثر ملاءمة لقياس نجاح التعافي من الاكتفاء بأعداد العائدين أو المباني المعاد تأهيلها.

خاتمة: هل يحتفظ الجنوب بسكانه؟

تكشف أزمة النزوح خلال 2024–2026 أن الحرب لم تؤدِّ إلى حركة تهجير واسعة فحسب، بل أعادت توزيع مئات آلاف السكان داخل لبنان، وفرضت تفاوتات جغرافية كبيرة في حجم الخسائر وفرص العودة.

وقد أظهرت الأرقام تراجعًا ملحوظًا في النزوح بعد ذروته، لكنها كشفت في الوقت نفسه استمرار مئات آلاف النازحين، وتمركز جانب كبير منهم في أقضية جنوبية تعرضت لخسائر واسعة.

ومن هنا لا يمكن فصل مستقبل السكان عن مستقبل الأرض والمساكن والعمل والخدمات. فاستمرار التدمير وتعطل مقومات الحياة قد يحول النزوح المؤقت إلى إقامة طويلة الأمد خارج القرى، ويزيد مخاطر فقدان المجتمعات المحلية بعض فئاتها الشابة والمنتجة.

لكن هذه المخاطر لا تعني أن التحول الديموغرافي الدائم قد تحقق بالفعل؛ فالتمييز بين الاحتمال والواقع شرط أساسي للتحليل العلمي.

وهكذا يمكن الإجابة عن السؤال المركزي للدراسة: إن النزوح الجنوبي ما زال، في جانب مهم منه، حركة سكانية قابلة للعكس، لكن استمرار الدمار وعدم استعادة شروط الحياة يرفعان احتمال تحوله إلى تغير جغرافي وديموغرافي أطول أمدًا.

إن المعيار الحقيقي للتعافي ليس عدد الذين عادوا إلى الجنوب فحسب، بل عدد الذين أصبحوا قادرين على البقاء فيه، وإعادة بناء أسرهم ومجتمعاتهم ومستقبلهم على أرضه.