الاغتراب اللبناني في السويد
--more-->
الاغتراب اللبناني في السويد
من
موجات الهجرة إلى التحولات الديموغرافية وجغرافية الانتشار (١٩٩٠–٢٠٢٥)
إعداد: د. علي فاعور
| ٢3 تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٦
مقدمة: من الهجرة إلى مجتمع متعدد الأجيال
تكوّن الوجود اللبناني في السويد عبر موجات متعاقبة ارتبطت
بالحرب اللبنانية، ثم بالاستقرار العائلي ولمّ الشمل، وأخيرًا بالأزمات الاقتصادية
والاجتماعية التي شهدها لبنان. ومع امتداد الإقامة عبر العقود، لم يعد الوجود
المرتبط بلبنان مقتصرًا على الوافدين أنفسهم، بل أصبح يضم أبناءً مولودين في
السويد وأسرًا متعددة الخلفيات العائلية. وتدرس هذه الورقة تطوره التاريخي وحجمه
وتوزيعه المكاني وتعاقب أجياله، قبل مناقشة حدود ما تسمح البيانات باستنتاجه بشأن
رأس المال البشري والاندماج.
تعتمد الدراسة تقديرات الأمم المتحدة (UN DESA) لرصيد المهاجرين في سنوات مختارة بين ١٩٩٠ و٢٠٢٤، وبيانات هيئة الإحصاء السويدية (SCB) بحسب بلد الميلاد والجنس والبلدية والخلفية العائلية حتى ٢٠٢٥. والمولودون في لبنان ليسوا مرادفًا لحاملي الجنسية اللبنانية؛ كذلك لا يشمل التعريف العائلي المستخدم كل الأصول اللبنانية الممتدة إلى أجيال أبعد. ولا تُدمج سلسلتا UN DESA وSCB كما لو أنهما سلسلة واحدة.
الخريطة (١): مواقع مراكز الانتشار البلدي في السويد، ٢٠٢٥
١. الهجرة اللبنانية إلى السويد: من اللجوء إلى الاستقرار
1-. موجات الحرب وتكوّن الوجود الأول
لم تكن السويد وجهة تقليدية رئيسية للهجرة اللبنانية قبل الحرب
التي بدأت سنة ١٩٧٥، مقارنة بالأميركيتين وأستراليا وبعض البلدان العربية. لكن
استمرار العنف وعدم الاستقرار دفعا قسمًا من اللبنانيين إلى البحث عن الحماية
والإقامة في بلدان أوروبية، ومنها السويد. وقد تداخلت دوافع اللجوء مع لمّ شمل
الأسر وتكوين شبكات اجتماعية ساعدت على الاستقرار اللاحق. ومع نهاية الحرب عام
١٩٩٠، بات هذا الوجود قابلًا للقياس ضمن الإحصاءات الدولية.
2- الاستقرار وتوسع
الانتشار (١٩٩٠–٢٠١٨)
اتجهت الهجرة تدريجيًا من انتقال مرتبط بظروف استثنائية إلى
إقامة طويلة وتكوين أسر. ورافق ذلك تبلور مراكز سكانية في المدن الكبرى وجنوب
السويد، إلى جانب ظهور أجيال مولودة في بلد الاستقبال. وقد ارتفع رصيد المهاجرين
المولودين في لبنان بحسب تقديرات الأمم المتحدة من ١٥٬٧٠٧ عام ١٩٩٠ إلى ٢٥٬٩١٩ عام
٢٠١٥، من دون نمو منتظم في جميع المراحل.
3- الأزمة اللبنانية بعد
٢٠١٩
أضاف الانهيار المالي والاقتصادي في لبنان دوافع جديدة للهجرة،
ولا سيما لدى الشباب والكفاءات. غير أن ازدياد دوافع الخروج من لبنان لا يعني
بالضرورة نموًا مماثلًا في الرصيد السكاني داخل السويد. ولهذا تُقرأ السنوات
الحديثة بالاستناد إلى الإحصاءات السويدية الفعلية، لا إلى تعميم اتجاهات الهجرة
اللبنانية العالمية.
المحور الثاني- الحجم الديموغرافي: النمو والتركيب (١٩٩٠–٢٠٢٥)
1- تضاعف الرصيد خلال ثلاثة عقود
ارتفع رصيد المهاجرين من لبنان في السويد، وفق UN DESA، من
١٥٬٧٠٧ شخصًا عام ١٩٩٠ إلى ٣٠٬٥٨٧ عام ٢٠٢٤، بزيادة ١٤٬٨٨٠ شخصًا (٩٤٫٧٪). وشهد
المسار ارتفاعًا إلى ٢١٬٠٧٣ عام ١٩٩٥، ثم تراجعًا إلى ٢٠٬٠٧٦ عام ٢٠٠٠، قبل عودة
الارتفاع تدريجيًا. وهذا رصيد مقيمين لا عدد الوافدين سنويًا؛ ويتأثر بالتدفقات
الداخلة والخارجة والوفيات.
2- التركيب بحسب الجنس
سجلت بيانات هيئة الاحصاء السويدية في عام ٢٠٢٥ نحو
٢٩٬٥٧٦ مقيمًا مولودًا في لبنان: ١٦٬١٢٦ رجلًا (٥٤٫٥٪) و١٣٬٤٥٠ امرأة (٤٥٫٥٪)، أي
فائضًا ذكوريًا قدره ٢٬٦٧٦ شخصًا، ونحو ١٢٠ رجلًا لكل ١٠٠ امرأة. ولا يكفي هذا
التفاوت وحده لاستنتاج فروق في التعليم أو العمل.
3- استقرار نسبي في السنوات
الأخيرة
انخفض العدد الرسمي للمولودين في لبنان من ٢٩٬٧٧٤ عام ٢٠٢٤ إلى
٢٩٬٥٧٦ عام ٢٠٢٥، أي بمقدار ١٩٨ شخصًا (نحو ٠٫٧٪). ولا يثبت هذا التراجع وحده توقف
الهجرة، كما لا يجوز تفسير الفرق بين رقم الأمم المتحدة لعام ٢٠٢٤ ورقم هيئة
الاحصاء السويدية للسنة نفسها باعتباره تغيرًا سكانيًا، لاختلاف المصدر
والمنهجية.
اللوحة
(2): نمو رصيد المهاجرين والتركيب بحسب الجنس
ثالثاً- . جغرافية الانتشار: التركز والتحولات المكانية
(٢٠٠٠–٢٠٢٥)
1- التركز في ثلاث محافظات
تتصدر سكونه (Skåne) محافظات السويد من حيث عدد المقيمين
المولودين في لبنان عام ٢٠٢٥ بنحو ٨٬٤٨٥ شخصًا (٢٨٫٧٪)، تليها ستوكهولم بـ٦٬٧٢٦
(٢٢٫٧٪)، وفاسترا يوتالاند بـ٥٬٩٣٥ (٢٠٫١٪). وتضم المحافظات الثلاث مجتمعة ٢١٬١٤٦
شخصًا، أي نحو ٧١٫٥٪ من الإجمالي الوطني، مقابل انتشار الباقين في المحافظات
الثماني عشرة الأخرى.
2- المدن والبلديات الكبرى
تحتل مالمو المرتبة الأولى بين البلديات بـ٤٬٦٢٨ شخصًا (١٥٫٦٪)،
ثم غوتنبرغ بـ٢٬٦٥٧ (٩٫٠٪)، وستوكهولم بـ٢٬٠٥٠ (٦٫٩٪)، وهلسنبوري بـ١٬٦٩٦ (٥٫٧٪).
وتضم البلديات الأربع ١١٬٠٣١ شخصًا، أي ٣٧٫٣٪ من المجموع. ومن الضروري التمييز بين
بلدية ستوكهولم ومحافظتها التي تشمل بلديات أخرى، مثل سودرتاليا وبوتشيركا.
3- تغير المراكز خلال ربع قرن
بين عامي ٢٠٠٠ و٢٠٢٥ ارتفع العدد في مالمو من ٢٬٧٣٦ إلى ٤٬٦٢٨
(٦٩٫٢٪)، وفي غوتنبرغ من ٢٬٠١٣ إلى ٢٬٦٥٧ (٣٢٫٠٪)، وفي ستوكهولم من ١٬٥٠٤ إلى
٢٬٠٥٠ (٣٦٫٣٪)، وفي هلسنبوري من ٩١٣ إلى ١٬٦٩٦ (٨٥٫٨٪). وفي المقابل انخفض في
بوتشيركا من ٨٢٨ إلى ٦٨٨ (١٦٫٩٪). ويكشف ذلك تفاوتًا في مسارات المراكز المحلية،
ولا يثبت وحده انتقالًا مباشرًا بين البلديات.
رابعا- تعاقب الأجيال: من الجيل المهاجر إلى المجتمع متعدد الخلفيات (٢٠١٨–٢٠٢٥)
1- تحوّل الوزن العددي نحو
المولودين في السويد
يتيح جدول هيئة الاحصاء السويدية SCB الخاص ببلد ميلاد
الشخص ووالديه قياس ست فئات مرتبطة مباشرة بلبنان. وقد ارتفع مجموعها المحسوب من
٦٤٬٠٤٨ شخصًا عام ٢٠١٨ إلى نحو ٧٠٬٠٧٧ عام ٢٠٢٥ (٩٫٤٪). وبلغ المولودون في السويد
ضمن هذه الفئات ٤٠٬٥٠١ شخصًا (٥٧٫٨٪)، مقابل ٢٩٬٥٧٦ مولودًا في لبنان (٤٢٫٢٪). ولا
يمثل هذا المجموع عدد المواطنين اللبنانيين ولا جميع المنحدرين من أصول لبنانية
عبر أجيال أبعد.
2- الجيل الثاني والأصول
العائلية المتنوعة
بلغ عدد المولودين في السويد لأبوين مولودين في لبنان ١٧٬٠٤٣
عام ٢٠٢٥، مقابل ١٦٬٢٥٣ عام ٢٠١٨ (٤٫٩٪). وهناك ٨٬١٥٩ مولودًا في السويد لأب مولود
في لبنان وأم مولودة في بلد أجنبي آخر، و٦٬٠٠٣ لأم مولودة في لبنان وأب مولود في
بلد أجنبي آخر. ويجب الفصل بين هذه الفئات وبين الجيل الثاني ذي الوالدين
المولودين في لبنان.
3- الأسر التي وُلد أحد
والديها في السويد
ارتفع مجموع المولودين في السويد لأحد الوالدين المولودين في
لبنان والآخر المولود في السويد من ٧٬٢٠٠ عام ٢٠١٨ إلى ٩٬٢٩٦ عام ٢٠٢٥، بزيادة
٢٩٫١٪، وهي أعلى من الزيادة الإجمالية للفئات الست. ويعكس ذلك تنوعًا في البنية
العائلية، لكنه لا يقيس بمفرده الاندماج الثقافي أو الجنسية أو الهوية.
اللوحة (٢): تطور الأجيال ومعدلات النمو بحسب الفئات، ٢٠١٨–٢٠٢٥
خامساً- رأس المال البشري والاندماج الاقتصادي
والاجتماعي
1- تحوّل القاعدة البشرية
لا تقاس أهمية الوجود اللبناني في السويد بحجمه العددي فقط، بل
أيضًا بخصائص أفراده ومساراتهم التعليمية والمهنية. ومع تجاوز وزن المولودين في
السويد نصف الفئات المرتبطة بلبنان، أصبح من الضروري النظر إلى رأس المال البشري
باعتباره حصيلة خبرات المهاجرين ومهارات الأجيال الناشئة داخل بلد الاستقبال. لكن
هذا التغير الديموغرافي لا يثبت وحده ارتفاع مستوى التعليم أو تحسن فرص العمل.
2- التعليم والعمل وحدود
الأدلة
تمثل المؤهلات واللغة ومدة الإقامة والاعتراف بالشهادات عوامل
مؤثرة في المشاركة الاقتصادية. ومع ذلك، فإن بعض الجداول السويدية المنشورة بشأن
التعليم والتشغيل والدخل تعتمد إقليم الميلاد، مثل آسيا، لا لبنان بوصفه بلدًا
مستقلًا. ولذلك لم تُستخدم أرقام هذه الجداول لاستنتاج نسبة الجامعيين أو معدل
التشغيل أو متوسط الدخل لدى اللبنانيين، تفاديًا لإسناد خصائص مجموعة واسعة إلى
جماعة محددة.
3- التنوع العائلي بوصفه
مؤشرًا على الاستقرار
يشير اتساع الأجيال المولودة في السويد وتزايد الفئات التي وُلد
أحد والديها في لبنان والآخر في السويد إلى استقرار طويل الأمد وتنوع في الروابط
العائلية. لكنه لا يتيح بمفرده إصدار أحكام حول الاندماج الاجتماعي، الذي يحتاج
إلى بيانات مباشرة عن التعليم والعمل والدخل والمشاركة المجتمعية. وتكمن أهمية
النتيجة في انتقال الوجود المرتبط بلبنان من رصيد مهاجرين إلى مجتمع متعدد الأجيال
والمسارات.
خاتمة: من الهجرة إلى الامتداد الديموغرافي
تكشف الدراسة عن ثلاثة تحولات متداخلة:
§
تضاعف رصيد المهاجرين من لبنان تقريبًا
بين ١٩٩٠ و٢٠٢٤؛
§
تركز مكاني واضح في جنوب السويد
والمحافظات الحضرية الكبرى، مع اختلاف مسارات البلديات؛
§
ثم انتقال الثقل العددي، ضمن الفئات
العائلية الست المدروسة، إلى المولودين في السويد.
فقد بلغ رصيد المولودين
في لبنان ٢٩٬٥٧٦ شخصًا عام ٢٠٢٥، بينما وصل مجموع الفئات المرتبطة مباشرة بلبنان
إلى نحو ٧٠٬٠٧٧، منهم ٥٧٫٨٪ مولودون في السويد. وهذه الأرقام لا تصف الجنسية
اللبنانية بل بلد الميلاد والخلفية العائلية وفق تعريفات هيئة الاحصاء السويدية
SCB. وتدل النتائج على أن الاغتراب اللبناني في السويد أصبح ظاهرة سكانية متعددة
الأجيال، يتداخل فيها تاريخ الهجرة مع الاستقرار المكاني وتنوع الأسر. وتبقى خصائص
التعليم والعمل والدخل مجالًا يحتاج إلى بيانات لبنانية مستقلة قبل تعميم أي حكم
اقتصادي أو اجتماعي.
المصادر:
1-
تقديرات رصيد المهاجرين من لبنان في
السويد، ١٩٩٠–٢٠٢٤.
United Nations,
Department of Economic and Social Affairs (UN DESA), Population Division. International
Migrant Stock, 1990–2024. Estimates of the international migrant stock
originating from Lebanon and residing in Sweden.
2-
بيانات المولودين في
لبنان، ٢٠٢٤–٢٠٢٥
Statistics Sweden (SCB). Population
by Country of Birth and Sex, 2024–2025. Statistical Database, Table
TAB6646.
3-
ملفات المقارنة البلدية للسنوات ٢٠٠٠
و٢٠٠٥ و٢٠١٨–٢٠٢٥، المرفقة بملفات الدراسة.
Statistics Sweden (SCB). Population
by Municipality, Country of Birth and Year, 2000–2025. Statistical
Database. Selected reference years: 2000, 2005, and 2018–2025.
1.
Statistics Sweden (SCB). Number of Persons by Origin, Sex, Country
of Birth and Year, 2018–2025. Statistical Database, Table 000008GM.
4-؛
الجدول 000008GM، ٢٠١٨–٢٠٢٥، ملف Excel الأصلي.
Statistics Sweden (SCB). Statistics
on Educational Attainment, Employment and Income. Statistical Database.
Consulted for methodological purposes only; regional aggregates were not used
to estimate indicators specifically for persons born in Lebanon.
.٥.
قواعد إحصاءات التعليم والعمل والدخل؛ مراجع منهجية فقط، (Statistics Sweden
(SCB), دون إسناد قيم إقليمية إلى المولودين في لبنان.
٦.
الحسابات الإحصائية والرسوم والخرائط: إعداد الدراسة اعتمادًا على ملفات SCB وUN
DESA المشار إليها.
ملاحظة
تحريرية: أُدرجت اللوحات المصممة سابقًا كما هي؛ ينبغي مراجعة التفاصيل الطباعية
داخل اللوحات، ولا سيما جدول اللوحة (٢) وتسميات الخريطة، قبل اعتماد نسخة الطباعة
النهائية.





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق